مخاض لم يكتمل

                                       

                        الدكتور مهند العزاوي*

                  


•واقع جيوسياسي جديد
•تحالف مثير للجدل
•اعادة تعريف العلاقات

افرز غزو العراق 2003 ظواهر وأزمات مركبة  ومعقدة وشاذة , لا تتسق بالمفاهيم الاكاديمية والتطبيقية للفكر السياسي والنظم السياسية , ولعل الانتاج السياسي في العراق المجتر من تجربة لبنان ( دولة المكونات والطوائف) كان محورها الفلسفي " اللبننه " , مع فرق ان لبنان خاضت حرب اهلية تديرها دول فاعلة ودول لاعبة افضت الى الواقع السياسي "قسمة المتحاربين "  اما في العراق لم يكن هناك صراع طائفي او مذهبي او قومي او طبقي  بل صناعة سياسية , توائم رغبه المتحالفين بإزاحة عراق قوي من معادلة التوازن , حيث كان العراق يمزج القوة الخشنة والناعمة لتتناسب مع حجم القوى الاقليمية الثلاث الفاعلة , وكما يبدوا العاطفة غلبت العقل لدى بعض الدول العربية التي ضحت باحتياطها الاستراتيجي وعمقها السوقي , وأسهمت بهدم الدعامة المحورية لأمن وسلم المنطقة , وبذلك دخل العراق والمنطقة في دوامة الفوضى , وأصبح العراق في عاصفة الحرب بالوكالة بين الفاعلين الدوليين ضمن نطاق الحرب الدافئة , وحروب ملئ الفراغ الاقليمي , وتقاسم كعكة العراق بين الخصوم بعد ان كان العراق يمثل توازن الاضداد من جانب وتوازن التوافق من جانب اخر ليحفظ امن المنطقة , ويعزز الامن الصلب ويرسخ قواعد الدولة المتماسكة التي تشكل راس عنقود لدول المنطقة.
واقع جيوسياسي جديد
افرزت الحرب في سوريا واقع جيوسياسي جديد يعتمد على المحميات والدويلات الفردية والجماعية ذات الطابع الاسلامي الطائفي , وقد تحولت بعد 9-6-2010 الى اعلان الخلافة الاسلامية وتنصيب البغدادي خليفة لدولة افتراضية دبلوماسيا وواقعية جغرافيا وسياسيا وعسكريا , اطلق عليها الدولة الاسلامية في العراق والشام ومختصرها داعش , وبالرغم من الاجتماعات السيالة والمؤتمرات وبناء التحالفات الدولية والإقليمية , الا ان  التغيير الجيوسياسي قد حصل حيث فقدت دولة العراق اكثر من ثلث اراضيها وكذلك سوريا , وبغض النظر عن  التسهيلات والبيئة القمعية  التي اوجدت هذا المجسم السياسي , الا ان تركيبة النظام السياسي والفشل العسكري والأمني المزوج بالضخ الطائفي المذهبي والتطهير الذي مارسته حكومة المالكي طيلة عشر سنوات اسهم بشكل فاعل في تهيئة البيئة المجافية , وبعد التمدد السريع الصادم للدولة الاسلامية في الموصل والانبار اصبحت حدودها تفوق حدود العراق وسوريا  , وهذا يعني وجود موارد استراتيجية يمكن تطويعها لإدامة وجود هش يمكن ان يستمر او ينتهي بالتفتيت حسب المتغيرات الدولية والإقليمية , خصوصا بعد ان انضم اليها الكثير من العراقيين والسوريين , وعند النظر الى خارطة الواقع الحالي للدولة الاسلامية فانه يقطع خطوط التماس بين العراق سوريا ويفصل الجهد العسكري الاقليمي المتواجد في لبنان وسوريا  برا , وكذلك السيطرة على اكبر محافظات العراق الانبار ونينوى وصلاح الدين المتنازع عليها ذات الخصائص النفطية والتجارية والبشرية التي اهملتها حكومة المالكي وجعلت منها مسرح حرب طائفية , مهدت لظهور مناخ مجافي استثمرته داعش ووظفته لتحقيق هدفها السياسي , وكما قال المحللُ السياسي الأمريكي الشهير "جورج فريدمان " على موقع " ستراتفور "، المعني بالشئون الجيواستراتيجية والاستخباراتية الدولية والأمن العالمي ، في مقالا تحليليًّا    (( أن جذور هذه التحولات تمتد إلى ظهور "الدولة الإسلامية ". فمن الناحية الأيديولوجية ، ليس هناك إلا اختلاف ضئيل بين "الدولة الإسلامية " والحركات الجهادية الإسلامية الراديكالية الأخرى ، لكن من حيث الوجود الجغرافي  ميزت "الدولة الإسلامية " نفسها عن البقية)) وكما يبدوا انها حققت وجود جغرافي  ومكاسب اقتصادية تقاتل بشراسة من اجل الحفاظ عليهما كرد فعل  لظاهرة المليشيا سلطة التي رسخت بالعراق وسوريا ومناخ المليشيات الحاكم  الموسوم بالهمجية .
تحالف مثير للجدل
يسجل التاريخ الحربي  ظاهرة جديدة لم يألفها السجل الحربي العالمي , وهو  تمدد الحرب الغير متوازية لتشمل مساحات دول بدل رقع محدودة , حيث تخطت الحرب الشبحية حدود القارات والبحار , وكما بيدوا التخبط الحربي الناتج من غياب الايدولوجيا العسكرية واستبدالها بالخصخصة الحربية وتجزئة القوة وتوظيفها لأجل سوق السلاح والحرب والأمن جعل المعايير الحربية غائبة , ومفاهيم شن الحرب مندثرة , وحسابات الربح والخسارة لا تتسق بمؤشرات رقمية ضامنة , ولذلك شهدنا رد فعل سريع من اوباما بتشكيل تحالف عسكري ينقذ ماء وجهه بعد ان فشل في الشرق الاوسط بشكل ذريع , واعتمد سياسة الاقتراب الغير مباشر من خلال اشغال المنطقة بالحروب والنزاعات والانقلابات التي تجسد مقوله( اتركهم يأكلون بعضهم) وبذلك اصبحت المنطقة مرجلا للحروب والعنف والإرهاب ,  خصوصا عندما تكون معايير وصف الارهاب غائبة وتوصيف الارهاب مختل ووصف العدو قطبي ناتج عن حماقة وليس تحليل دقيق للبيئة الاستراتيجية ومخرجاتها السياسية والمسلحة , وبذلك ولد التحالف هشا كونه تحالف عسكري فقط يعتمد على القوة الجوية والذراع الصاروخي والطائرات المسيرة بدون طيار ,  ولا يعتمد على الحلول السياسية ومعالجة الاخطاء بل يتعامل مع النتائج التي اوجدتها سياسة الغرب في العراق والمنطقة , وكما نعلم ان القوة ذراع السياسة فكيف يتم استخدام قوة بلا هدف سياسي ان افترضنا ذلك , واعتقد ان هذا التحالف الغير مكتمل استوجب اعادة تعريف العلاقات بين المتوافقين والمتخاصمين وصناع الموقف الحالي.
اعادة تعريف العلاقات
قال المحللُ السياسي الأمريكي الشهير "جورج فريدمان " (( أن ظهور الدولة الإسلامية أعاد بالمثل تعريف وضع إيران في المنطقة , وأوضح فريدمان أنه بسبب "الدولة الإسلامية " -بالإضافة إلى اتجاهات أكبر طويلة المدى - قربت الولايات المتحدة وإيران من بعضهما بفضل مصالحهما المشتركة , فقد خرجت علينا العديد من التقارير التي تتحدث عن تعاون عسكري أمريكي إيراني ضد "الدولة الإسلامية "، في الوقت الذي تم فيه تهميش القضية الرئيسية (البرنامج النووي الإيراني) التي تُسبب انقسامًا بين الجانبَيْن)) وبنفس الوقت ذكرت مواقع اجنبية وعربية ان هناك شبه اتفاق تركي امريكي على تدريب المعارضة السورية  , وتبرز هنا حجم الاختلافات في المناهج الاستراتيجية لكل من اللاعبين الاقليمين , وكيف يتم تجانسها مع الفاعل الدولي الاكبر الولايات المتحدة , وبالتالي اصبحت "الدولة الإسلامية " محور ارتكاز العلاقات الأمريكية التركية الايرانية , وبلا شك كما يبدوا اعادة تعريف العلاقات اللاعبين في مخاض سياسي لم يكتمل بالرغم من اجماعهم على محاربة داعش , وكما اعتقد الكل ينظر الى ما بعد داعش وكيف ستكون المصالح والمكاسب والمواقف والرؤى الاستراتيجية لمستقبل المنطقة من منظور مصالح تلك الدول , كما يؤكد علم السياسة " لا عدو دائم ولا صديق دائم بل مصالح مشتركة " ولعل المصالح تتقاطع في مكان وتتنافر في مكان اخر , الا ان لوحة الشطرنج ستعلن من الفائز الاول دوليا وإقليميا , خصوصا ان ظهور داعش حقق عدد من الاهداف الاستراتيجية للدول الاقليمية , ومكنها من التقدم في مشاريعها بالمنطقة على حساب الامن القومي العربي الذي اصبح في حكم المفقود والسلم والأمن الدولي الذي استغنى عنه العالم
*مفكر عربي من العراق
‏7-1-2015

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

581 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع