ذكرى وعبرة في قصيدة

                                       

                       الشهاب الحسني البغدادي

                              

ذكرى وعبرة في قصيدة
إن ما تشهده أمة الإسلام اليوم من تفرق وتشرذم وضعف وخور وجبن ما هو إلا مصداق لقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:
«يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا».
 فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟!

قال: «بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ».
 فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهَن؟
 قال: «حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ».
وفي الحديث من أعلام النبوة:
حيث أخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن أمر غيبي، وهو ما يصيب هذه الأمّة بعد وفاته، فوقع طبق ما أخبر به، فهو دليل قاطع على أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم يتكلّم بمحض الوحي.
 فقد تداعت ألامم بمختلف مللها واديانها على امه المسلمين، ووقعت تحت نير الاحتلال، وذاقت منها ألوان العذاب، كما في الحروب الصليبية، واجتياح التتر ، ونحو ذلك. فمنذ ذلك الحين تشن الحروب ضد الإسلام والمسلمين وحتى يومنا هذا، فالحملات الصليبية، والاستعمار الغربي، وحركات الاستشراق، والتغلغل الصهيوني؛ مسميات تختلف فيما بينها، ولكنها تلتقي على حرب المسلمين، فيجمعون أمرهم كيلا تقوم للمسلمين قائمة، ولا تجتمع لهم كلمة،وفي العصر الحديث ظهرت هذه العلامة بصورة أوضح لا تخفى على أحد، في الحرب الصليبية الغربية المعاصرة على الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم تحت شعار مزيف وكاذب اسمه (الحرب ضد الإرهاب)!.
حيث تحالفت امم الشر وقسّموا العالم العربي والإسلامي إلى دويلات متنافرة متناطحة، فسهل عليهم احتلالها، لتمزيقه، ونهب ثرواته، والاستلاء على خيراته،  بعدما مزّقوا الشام والعراق وليبيا واليمن وتونس ومصر.كما نلاحظ ذلك جلياً واضحاً في واقع الأمة العربية اليوم، يلاحظ كيف أنها وصلت إلى حالة سيئة، من ضعف ووهن وشتات واختلاف، ضعف في عقيدتها، وضعف في قوتها، وضعف في اقتصادها وضعف في قراراتها، وضعف في تسيير شئون نفسها، ثم ضعف في كل جانب من جوانبها،فأدى ذلك إلى تكالب أعدائها عليها، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا
دماء تراق وأرواح تحصد من المدنيين العزل في أماكن العبادة وفي الشوارع وفي الطرقات والساحات العامة ، بل صواريخ وقنابل داخل المنازل والشقق ، حرب من الأرض والبحر والسماء ، يتحدثون عن السلام بألسنتهم ويباشرون الحرب في خططهم واستعدادتهم.
لماذا لم يعنف الأميركيون شريكهم المالكي، على سوء عمله ودعمه الإرهاب.بل سكتوا،على الظلم البيّن الذي يرونه، بأم أعينهم، والميلشيات الطائفية تبطش في ست محافظاتٍ منتفضة تهجيرا وتقتيلا بالمدنيين المسالمين، بل إن هؤلاء الشراذم لم يسئلوا عن جريمة ارتكبوها ولم تحجب عنهم مساعدة طلبوها ، ولم يتأخر عنهم مدد سألوه ، ولم يوجه إليهم لوم ولا عتاب في جرائمهم التي اقترفوها وما أكثرها. والعالم كله يتفرج على ذبح المسلمين والاعتداء على نسائهم وحرماتهم .ووسائل إعلامهم تتغنى بأناشيد الحرية والديموقراطية يسمون الأشياء بغير أسماءها.
لكن على حين غرة حدثت تغيرات في الموقف العسكري بدت ظاهرةً للعيان، منذ تدخل سلاح الجو الأميركي لعكس اتجاه الحركات، عندما تهددت كل من كركوك ودهوك وأربيل من مسلّحي "داعش"،عندما لم تصمد قوات "البشمركة" الكردية من الوقوف أمام زحفها، ولكانوا قد دخلوا دهوك، وكركوك، وحتى أربيل، هذا إن لم يكونوا هم من قرّروا التوقف عن التقدم، بأمر من امريكا.
وقد شهد العالم،الثورة السورية الكبرى، تغتالها داعش، منذ أكثرمن عام، وشهد تسرب داعش إلى بادية الأنبار، بفعلٍ تآمريٍّ من حكومة نوري المالكي، ومن ثم استولوا على الموصل، ليصرفوا الانظار عن الثورة العراقية ،ولم يحرك الغرب ولا امريكا ساكناً.
هذا هو القرار التي اتخذته هذه الأمة اليوم، والتي بناء عليه ارتضت لنفسها أن تتحول  كما قال سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:
 إلى "غثاء" ما كان الله عز وجل يظلم أمة قط، ذلك هو قرار المسلمين اليوم، إنْ بملء أفواههم، أو بقرار قناعاتهم، أن يكونوا مضرب المثل في المهانة، مضرب المثل في الذل؟ هل هنالك من مسؤول يتحمل هذه الجريرة إلا هذه الأمة نفسها، عندما ارتضت أن تكون غثاء السيل، تلك الفقاقيع التي تطفو على وجه السيل، ومعها الأقذار المختلفة المتنوعة.
أقول هذا الكلام حتى لا يعتب عاتب منا على قضاء الله،وحتى لا يتساءل أحد منا وهو يفتح عيينه بعد إغماض، ويحدق بها يمينا وشمالا:
 أين هي الأمة العربية الإسلامية التي هي مضرب المثل في علو الشأن؟ أين هي تلك الأمة التي كانت مضرب المثل في العزة، وفي الوحدة،وفي الإنسانية والحكم؟
نحن، الذين دفنا هذه المزايا كلها في قبر من الضعة والهوان، نحن الذين دفنا هذه المزايا التي توج الله عز وجل رؤسنا بها دفناها فيما ارتضيناه لأنفسنا من التبعية المهينة، من الذل، من الإعراض عن كل ما قد أوصى به الله سبحانه وتعالى.
كل هذا من أسباب ضعف الأمة وتفرق كلمتها، فإن هناك سنة ثابتة في هذا الكون ذكرها الله تعالى في كتابه، تختص بهلاك ودمار الأمم، وسقوط الدول، وتخلخل المجتمعات وهي قوله جل وعلا: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» -الإسراء: 16-.
يقول الإمام الطبرى رحمه الله في تفسير هذه الآية: "أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وذلك بمخالفتها أمر الله وخروجهم عن طاعته، فحق عليها القول أي فوجب عليهم بمعصيتهم وفسوقهم فيها وعيد الله الذي أوعد من كفر به وخالف رسله من الهلاك بعد الإعزار والإنذار.
وعودة للحديث السابق ذكره والذي فيه دلالة على أنّ النصر، ليس بكثرة العدد، وقوّة المدد، بل بتأييد الله تعالى وعونه، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم:«ومِن قلّة نحن يومئذ»
 فبيّن أن سبب التداعى ليست هي قلّة العدد، لأنّ الله تعالى نصر المسلمين وهم قلّة ذلّة في غزوة بدر ، قال تعالى:
 «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُم أَذِلَّةٌ»- آل عمران123 –
كذا في غزوة الخندق، وقد تحزّب عليهم أعداؤهم. بينما ألحق بهم الهزيمة في غزوة حنين لما اغترّوا بقوّتهم وكثرة عددهم، قال تعالى:
 «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ َعْجَبَتْكُم كَثْرَتُكُم فَلَمْ تُغْنِ عَنكُم مِنَ اللهِ شَيئًا». التوبة25
 وهذه العبرة لأولئك الذين جعلوا معايير النصر هي التكتّلات والتحزّبات والتباهي بكثرة الأتباع. كذلك فيه إشارة إلى أنّ هذه الأمّة ستكون أكثر الأمم عددًا، ولكن لا تنفعها كثرتها ما لم تتمسّك بدينها.
ولرب عاتب يعتب على قضاء الله فيقول: ألسنا مسلمين؟ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
الجواب يكمن في: مفتاح واحد يملكه كل واحد منا، إن أدرناه على وجهه المطلوب تبدل ذلنا عزاً، وتبدلت مصائبنا رحمة ونعماء، هذا المفتاح يتمثل في شيء واحد هو صدق الالتجاء إلى الله، صدق التضرع على باب الله عز وجل. يستنزل الرضا من عند الله، ليستنزل النصر على أعقاب ذلك. أين من يطرق باب الله سبحانه وتعالى بيد من العبودية المرتجفة؟
 لا يكفي أن تعج المساجد بالساجدين والركع، لا يكفي أن يعج بيت الله الحرام بمن يرفعون أكفهم إلى سماء الرحمة الإلهية، نحن ننتظر من هذه الأمة أن يؤوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، أن يقولوا: اللهم إننا نعلم أننا أسأنا: إلى أنفسنا، وأننا ارتكبنا ما ارتكبناه من الآثام، وها نحن نعود إليك آيبين تائبين، حزانى عابدين.
بيننا وبين النصر القريب أن ندير هذا المفتاح.
ولقد سألت  أم المؤمنين زينب رضي الله عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قائلة: "أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ".
فلننظرإلى الكثرة، ماهي الا الخبث الطافي، ولننظر إلى الأعداء الكثيرة الكبيرة التي تنتمي بالشكل إلى الإسلام؛ ولكنها والله ليست من الإسلام في شيء، اللهم إلا القلة التي سيرحمها الله عز وجل يوم القيامة، لأن المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «نعم ستهلكون وفيكم الصالحون " إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ".».
أين نحن من قساة القلوب؟ الذين يتطوحون في الليل سكارى بين نعمانهم وبين مشاغلهم وما ينسيهم ويلهيهم عن الله سبحانه وتعالى؟
إلهي
وعزتك ما عصيناك اجتراءً على مقامك، ولا استحلالا لحرامك
ولكن غلبتنا أنفسنا، طمعنا في واسع غفرانك
ولئن طاردنا شبح المعصية لنلوذنَّ بعظيم جنابك
ولئن استحكمت حولنا حلقات الإثم لنفكنها بصادق وعدك في كتابك
ولئن أغرى الشيطان نفوسنا باللذة حين عصيناك
 فليغرين الإيمان قلوبنا للتائبين من فسيح جنانك
ولئن انتصر الشيطان في إغوائه، ليصدقن الله في رجائه


ولئن كان الاستشهاد بالشعر في مثل هذا الموقف خلاف فيما ذكره بعض الفقهاء، فإن الموقف ليقضي أن أقول: إن هذا الواقع جسّده في هذه الأمة قول الشاعرفي قصيدة معبرة تحت عنوان:
أيا عمرو بن هندٍ لاتلمنا
تخاذلنا فأرخينا الجبينا ** وبتنا في الشتات مفرقينا
وصرنا مضرب الأمثال لمّا ** غدونا في الملذة غارقينا
تفرّق جمعنا شرقاً وغرباً** وصرنا كالقطيع مشتّتينا
تجمّع فوقنا هذا وهذا** فصرنا بالرقاب مطوّقينا
كلاب القوم قد نبحت علي** لأنا لم نعد نحمي العرينا
تجرأتِ الأعادي إذغزونا ** وأصغرهم مقاماً يزدرينا
دماء المسلمين قد استبيحت** وقد سلبت ديار المسلمينا
عراق المجد قد أضحى أسيراً ** وغزة كبلوا منها اليدينا
 فصاحت أين أنتم يانشامى ** وياأهل المروءة ساعدونا
فلا زاداً نجده ولا دواءً** وبالقصف الشديد يروّعونا
تكاثرنا ولكنا غثاءً ** بهذا أخبر المبعوث فينا
وقلدنا شرار الناس لما** تركنا هدي خير المرسلينا
كتاب الله ضيعناه هجراً ** وللسنن العظام مضيّعينا
وأصبحنا نهاب الموت حتى ** نسينا أنه حق علينا
أضعنا العمر في لعبٍ ولهوٍ ** فوا أسفا على عمرٍ قضينا
أضعناه سدىً لما نسينا ** بأنا للضياع محاسبينا
  ولم تعلم بأنا في سبات** وأنا للمروءة قد نسينا
أتذكر كيف كنا يابن هندِ ** وأنتم يابن هندِ تعرفونا
أتذكر كيف نفتك بالأعادي** إذا يوماً يمعتركٍ بلينا
أتذكر إذ طوينا الأرض طياً **ودان لنا جميع العالمينا
أيا عمرو بن هندِ قد غدونا** من الأعداء نرجف خائفينا
 أيا عمرو بن هندٍ لاتلمنا ** لأنا بالمذلة قد رضينا
أيا عمرو فلا تعجل علينا  ** فقد صرنا عبيداً خاضعينا
سوانا شربه للماء صفواً ** ونشرب ماءنا كدراً وطينا
" إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً " ** تسكّع في نوادي الراقصينا
 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

878 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع