الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - تراث إبراهيم صالح شكر في كتاب جديد

تراث إبراهيم صالح شكر في كتاب جديد

      

             الدكتور مليح صالح شكر/ نيويورك

   

    تراث إبراهيم صالح شكر في كتاب جديد

    

نهض العراقيون في الاول من تشرين الاول عام 2019 ليستعيدوا العراق من خاطفيه واتجهت أنظار العالم الى شباب في عمر الورود يطالبون بالوطن رغمًا عن كل اجهزة القمع وأدواتها الصريحة والمختبئة وراء ستار لم يعد يستر فسادهم واستهتارهم .وهكذا ، في أيام هذه الصفحة من صفحات العراق المجيدة ، انتفاضة تشـــــــــرين عام 2019 وخلالها ظهر ( صفحات من تاريخ العراق ) في كتاب يتحدث عن سيرة رجل من تاريخ العراق وتراثه ورسائله ، كان في ايّام مضت رجلاً مكافحاً من اجل استقلال العراق الناجز.أبراهيم صالح شكر، الصحفي والكاتب والأديب ، كان في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين ملأ أسماع العراقيين بمقالات وخطب ورسائل يدعو فيها الى ابعاد الأجانب، كل الأجانب عن ادارة الدولة الفتية.وهكذا جاء كتاب ( صفحات من تاريخ العراق ) الذي صدر مؤخراً عن دار البداية في عمان ، وكان من تحقيق وشرح الدكتور مليح ابراهيم صالح شكر.

######

بعد وفاة الوالد في 15 أيار 1944 بقليل ، وقبل ان تتعرض مكتبته للنهب، أرسل جميل المدفعي ، رئيس الوزراء آنذاك، وكان أحد الحاضرين مراسم التشييع إلى مقبرة الغزالي ببغداد ، شيكاً مع شخص الى أخي الكبير رياض ، وقال له أنها ثمن لمكتبة إبراهيم صالح شكر، لكن رياضاً رفض المبلغ ، بالرغم من الحاجة الماسة لمثل هذا المبلغ في تلك الظروف ، وأبلغ الوسيط بأن المكتبة ستبقى له .

لكن المكتبة لم تبق له ، ولا لمن بعده بعد ان توفي هو الآخر في عام 1946 ودفن في لبنان، وكنا بقية الأبناء أطفالاً .

ومع تناثر مقالات الوالد ، وتعدد صداقاته ، فقد تعرضت في جمعها منذ عام 1961وإعدادها وتنسيقها ومراجعتها بشكل دقيق لصعوبات كثيرة، وما سيرد في هذا الكتاب هو التوثيق الصحيح لحياة الوالد ابراهيم صالح شكر الصحفية والأدبية والوظيفية ، ولأبرز المقالات والرسائل الشخصية التي كتبها ، لتعكس أسلوبه الصحفي ، وتفكيره ، وبلاغته ، وإتجاهه السياسي ، وإعتزازه بعروبة العراق ، ويشرح فيها فترات من تاريخ العراق وحوادثه وأشخاصه.

######

ولدت فكرة هذا الكتاب في عام 1961 حينما كنتُ أبحث عن فرصة عمل مسائية لدى صديق للعائلة في مكتبه الصغير بشارع الرشيد في بغداد ، وتعرفت لديه على صديقه ، فاضل عوني الذي كان آنذاك المدير العام لمصلحة نقل الركاب ، ثم أصبح فيما بعد المدير العام للبلديات، وسبق له ان تعرف الى والدي خلال عمله الوظـــيفي في شبابه.

سألني فاضل عوني عن مصير ما كتبه والدي خلال السنين الطويلة ، وهو الذي أثار لدي العزيمة على جمع آثار إبراهيم صالح شكر الأدبية ، وشجعني كثيراً ، ومنذ ذلك الحين وأنا ابحث وأجمع ما خلفه الوالد ، لكنني منذ ذلك العام لم ألتق بفاضل عوني مرة أخرى .

إلتقيت ، وأنا أجمع آثار الوالد، بعدد كثير من أصدقائه ومعارفه ، فإستجاب بعضهم لأسئلتي، وصدني البعض الآخر، وأعددت قائمة بهم ضمت 98 إسماً من الشخصيات السياسية والأدبية والصحفية والإجتماعية ، وعناوينهم في العراق ولبنان وسوريا ومصر والاردن وبريطانيا، ووظائفهم ،ونوع علاقتهم مع إبراهيم صالح شكر، وأسماء ورثتهم .

وراجعت المكتبات العراقية المعروفة، ودونت جميع مقالاته من الصحف القديمة، وبالرغم من كثرة إتصالاتي ، فقد تردد البعض في إطلاعي على ما عندهم ، ورفض البعض الآخر، وإدعى غيرهم أنه لا يتذكر ما حصل قبل أربعين عاماً.. وهكذا، وقليل منهم صدني بخشونة ، ولكن لا أجد حاجة لذكر إسمه.

ولحداثتي في هذه المهمة آنذاك ، فقد حاول البعض إبتزاز ما عندي من رسائل وصحف، ساعين الى الحصول على ما عندي ، رافضين حصولي على ما عندهم . لكن الذين أبدوا المساعدة الطيبة كثيرون ، ومنهم :عائلة أمين خالص، وولده شاكر ببغداد، وعبد الكريم نجل خليل إبراهيم ، وحصلت منهما على أصول رسائل الوالد إلى والديهما، وكذلك علي جودت الأيوبي ، وحسين جميل ، وإسماعيل الغانم ، وعبد اللطيف حبيب ، وناجي القشطيني، وعبد الكريم العلاف ، وعبد القادر إسماعيل البستاني، ويوسف يعقوب مسكوني ، وفائق رفائيل بطي ، والشاعر اللبناني أمين نخلة، ولطفي بكر صدقي ،وعبد الوهاب الأمين ، وخالد الدرّة ، وحارث طه الراوي ، وأحمد حامد الشربتي ، وعبد القادر البراك ، وقاسم الخطاط الذي أجاب على رسائلي من مقر عمله بجامعة الدول العربية في القاهرة، وألتقيته عدة مرات فيما بعد بالقاهرة ، وكان هو من دلني على عنوان الكاتب الفلسطيني محمد علي الطاهر الذي كان قد غادر مصر للإقامة في بيروت ، وعدد آخر من السياسيين والأدباء والأقارب .

ولابد من أن اذكر أن المرحوم الخطاط هو أيضاً من رتب لي لقاء الاستاذ فيصل حسون بالقاهرة آنذاك ولم تنقطع علاقتي به أطال الله في عمره، ويقيم حالياً في ولاية كولورادو الامريكية.

وقد راسلت الأدباء والصحفيين العراقيين والعرب الذين لم يتسن لي مقابلتهم ، وفي مقدمتهم الشاعر اللبناني أمين نخلة ، والذي تحدثت معه فيما بعد، هاتفياً عدة مرات، وأجاب مشكوراً على رسائلي الخطية، وأهداني مفكرته الريفية وكتاب الملوك ، وزودني بما يتذكره أو يحتفظ به عن والدي ، وكذلك عبد الجليل الراوي، الذي كانت آخر ما كتبه الوالد في حياته موجهاً إليه، وأقام بعد تقاعده في بيروت التي كان قنصل العراق العام فيها ، ومحمد علي الطاهر الفلسطيني صاحب جريدة (الشورى ) المصرية الذي أجابني من بيروت على رسائلي له ، مع قصاصات من جريدته لكل ما نشره عن إبراهيم صالح شكر ، وغيرهم.

#######

وهذا الكتاب من ثلاثة أبواب ، موزعة على أساس طبيعة ومضمون نصوص ما سيرد فيها.

الباب الأول ، يضم ثلاثة فصول ، وكل فصل يتضمن واحدة من سلسلة مقالات، أو دراسات تاريخية بدأ إبراهيم صالح شكر بكتابتها ونشرها ، لكنه لم يستكملها. ومع ذلك فهي تعطي للقارىء فكرة مفصلة عن بعض أحداث التاريخ العراقي، التي أسندناها من ناحيتنا بشرح وتعريف وتعليق للأحداث والأشخاص .

ففي الفصل الاول ، نورد نص حلقات الدراسة التاريخية لواحد من ولاة العهد العثماني ، وهو ( تقي الدين) ،حيث يشرح الكاتب حياة هذا الوالي الذي أصبح من الشخصيات العثمانية المشهورة ، واشتهر بثقافته وعلمه، وفي الوقت نفسه بمجونه وإستهتاره.

وفي ( قلم وزير) في الفصل الثاني ، يتحدث الكاتب بإسهاب عن فترة أخرى من التاريخ العراقي ، والتي شهدت تزايد التعسف العثماني ضد العراقيين والعرب الذين كانوا ينادون بإستقلال البلاد العربية ، والكفاح من اجل عروبة هذه البلدان، والتي كانت تسمى ( القضية العربية)، وفي هذا المقال أيضاً شيئ من المقارنة بين بعض رجال الحكم العراقي تحت الانتداب البريطاني ورجال الحكم العثماني، وفيه بدأ إبراهيم صالح شكر حملته ضد نوري السعيد ، وسياسته الموالية للانكليز.

ويستكمل الكاتب بحوثه بشأن القمع العثماني بالفصل الثالث (حتروش) الذي يصف فيه بالتفصيل تجربته في المعاناة من قرار النفي الذي اتخذته سلطات جمعية الاتحاد والترقي العثمانية ضد عدد من العراقيين من مناهضي الحكم العثماني في العراق، وكان هو ضمن الذين شملهم هذا القرار ، ونفي الى الموصل ، ونقل المنفين بالقطار ، ومن ثم على ظهور الحمير التي يملكها ( حتروش) الى المدينة العراقية الشمالية.

ويعطي الباب الثاني من هذا الكتاب ، صورة واضحة لافكار ابراهيم صالح شكر في مجالات الصحافة، والسياسة، والأدب.

ففي فصل الصحافة والصحفيين ، يعرض الكاتب أسلوبه في العمل الصحفي ، ومعاناته من إضطهاد الحكومة له ، ومطاردتها للصحف التي أصدرها، وعطلتها الحكومات المتعاقبة،ومحاولات البعض للتأثير على قناعاته السياسية ، وأحلامه وطموحاته في مجال الصحافة.

وفي الفصل الثاني لهذا الباب، نورد المقالات التي تتحدث في السياسة، والسياسين الذي هيمنوا على الحياة الحكومية في فترة الانتداب البريطاني التي استمرت من عام 1920 حـتى العام 1932 حين إنضم العراق الى عصبة الامم، لكن النفوذ والهيمنة البريطانية إستمرا وفقا لمعاهدة 1930 التي منحت بريطانيا لنفسها فيها نفوذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ونفطياً في العراق.

ويدافع الكاتب في هذا الفصل عن عروبة العراق واستقلاله وسيادته وثرواته الطبيعية، بشكل تسبب له بمشاكل جمة مع الحكومة التي تسارع عادة الى تعطيل صحيفته لكي لا يستمر في فضح سلبياتها وخضوعها للارادة البريطانية، وأردت به الى السجن ، كما حصل له في مقاله المشهور في تاريخ الصحافة العراقية( حفنة تراب) الذي هاجم فيه وبعنف وزير الداخلية مزاحم الباجه جي على لجوئه للقمع والاضطهاد والشتائم ضد الحركة الوطنية خلال اضراب عام 1931 وأحدث ذلك المقال هزة سياسية في حينه.

ويرسم الكاتب في هذا الفصل صورة قلمية لكل من عرفهم من رجال الحكومة والقادة والوطنيين والسياسيين ، ومنهم نوري السعيد ،وعلي جودت الايوبي ، وجميل المدفعي، وجعفر أبو التمن ، والشيخ المجاهد شعلان أبو الجون من قادة ثورة العشرين. ونسند مقالات هذا الفصل، بتعليقات وشروح لكل من وردت أسماؤهم ، وجاءت في هوامش تكاد تكون بحثاً آخر في تاريخ العراق .

والفصل الأخير من الباب الثاني ، يشبه الى حد ما الفصل الذي سبقه، لكنه خصص للحديث في مسائل الادب والادباء الذين كان إبراهيم صالح شكر على علاقة بهم، ويرسم هنا أيضاً صوراً قلمية لمشاهير الأدباء ، ومنهم ، جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي ،والأب أنستاس الكرملي ، والشعراء والكتاب والادباء من العراقيين والعرب الذين عاشوا في تلك السنين.

وجميع مقالاته في هذا الباب منشورة في صحفه او صحف أخرى ، ومنها مجلته ( الناشئة) عام 1921 وبعدها جريدته ( الناشئة الجديدة) ، ثم جريدته السياسية (الزمان) 1927-1928 ومجلات وصحف أصدقائه ( الوميض) و( التجدد) و(الربيع) و(الاستقلال) و(المستقبل) ، وغيرها.

ويأتي الباب الثالث ، في ثلاثة فصول أخرى توزعت على طبيعة المراسلات التي جرت بين الكاتب وبين الجهات او الأشخاص الذين تبادل المراسلات معهم.

ولما إنقطعت به سبل العيش عن طريق الصحافة ، وبتأثير من أصدقاء متنفذين، ومعجبين بكتاباته ، وفي مقدمتهم علي جودت الأيوبي، كان عليه أن يقبل الإلتحاق بالوظيفة الحكومية ليصبح مديراً للتحريرات مرة ، أو مديراً لناحية أو قائممقاماً لقضاء مرات أخرى.

وكانت مكاتباته الرسمية والشخصية بديلاً إستخدمه الكاتب للتعبير عن آرائه بعد ان أصبح بعيداً عن النشر في الصحافة .

ففي الفصل الاول للباب الثالث ، نورد مراسلاته الرسمية التي كانت مراسلات صاخبة، لا يتورع فيها عن إنتقاد رجال الحكومة الكبار، وسرعان ما يصفع رؤوسائه باستقالة مدوية ليعود الى بغداد محاولاً إعادة أحدى صحفه إلى الحياة. واستقالته من مديرية تحريرات لواء بغداد هي إحدى المعالم التي إتسم بها تمرده على الحكومة ، وبقي دويها يتردد بين الحين والآخر لسنوات طويلة في تاريخ العراق.

ويتضمن الفصل الثاني من الباب الثالث ، مراسلات إبراهيم صالح شكر الشخصية، ومنها رسائل الى إصدقائه ، وإلى معارفه من رؤوساء الوزراء ، والوزراء، ومنهم خليل ابراهيم ،وعبد العزيز المظفر، وأمين خالص ، وعلي جودت الايوبي، وجميل المدفعي، وناجي شوكت، وياسين الهاشمي، ونوري السعيد. وهي عموماً رسائل يعبر إبراهيم فيها عن أحاسيسه الوطنية والعربية والانسانية .

ولما ضاقت به سبل الصحافة، أختارالكاتب الهجرة الى الأقطار العربية الأخرى ، فكتب من دمشق والقاهرة مجموعة من الرسائل الى أصدقائه ببغداد، يعرض فيها همومه وعواطفه وأفكاره السياسية والصحفية والأدبية. وكل هذه الرسائل من خارج العراق ومقالاته ذات الصلة جاءت في الفصل الثالث من الباب الثالث .

وفي كل فصل ، وكل مقال ، قمنا من ناحيتنا بجهد مضن في البحث لتفسير وتبسيط أحداث وأشخاص تلك الأيام لقارئ اليوم ، وفي أحيان أخرى نقارن بين ما قاله ومارسه الاحتلال البريطاني في عشرينات القرن العشرين مع ما قاله ومارسه الاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام 2003 .وسيكتشف القارئ الكريم الشبه الصارخ بين ذلك والاحتلال وبين هذا الاحتلال .

وقد حافظت على إيراد نصوص المقالات والرسائل دون تحرير ، إلا ما ندر، وكان الوالد مفرطاً في استخدام ((الأقواس المزدوجة)) والفواصل، والنقاط، لكننا فضلنا ان نستخدم ( الأقواس المفردة) بدلا من تلك الأقواس التي كانت تملأ مقالاته ورسائله وفقراته وسطورها.

وهو أخيراً الصحفي والكاتب ، الذي إستخدم الصحافة ميداناً لجهاده من اجل الاستقلال التام والحرية، ومناهضة السياسة الاستعمارية، وكان كاتباً فذاً يمتلك بلاغة مذهلة، وألفاظا براقة، وصراحة جريئة.

وسبق لي ان أصدرت كتابين قبل هذا الكتاب ، وهما تاريخ الصحافة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري ،1932- 1967، بيروت عام 2010، وكتاب دفاتر صحفية عراقية عن حالة الصحــــــافة بعد عام 1968، عمان عام 2018.

وأعمل حالياً على إنجاز كتابيين جديدين ،يتحدث الاول عن التشريعات الصحفية في العراق منذ الحكم العثــــــــــماني حتى عام 2003 ، وفيه النصوص القانونية التي لم يسبق نشرها من قبل، وكذلك كتاب يتحدث عن المجلات الناجحة التي أصدرها العراق خارج العراق أو مولها ، وفيه ايضاً تفاصيل صحفية لم تنشر سابقاً إطلاقاً .

      

 

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

345 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع