انقلابات أو تدخل خارجي.. لماذا تفشل الثورات في العراق؟

            

صلاح حسن بابان- الجزيرة نت:ما زالت الثورات العراقية التي كانت باكورة انطلاقتها عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني عاجزة عن الوصول إلى سدّة الحكم بطرق سلمية ومدنية وديمقراطية، ولم تنجح أي ثورة في تسلم زمام الحكم إلا بانقلاب عسكري أو سفك الدماء أو تدخل خارجي على عكس البلدان الأخرى التي أطاحت وغيّرت أنظمة دكتاتورية.

سلسلة انقلابات

وبُني تاريخ العراق السياسي بالأساس على الانقلابات العسكرية -حسب مراقبون- فلم يُسجل العراق أي عملية سلمية لتسليم السلطة، فمنذ العهد الملكي الذي تمت الإطاحة به في 14 يوليو/تموز عام 1958 على يد مجموعة من الضباط العراقيين بقيادة عبد الكريم قاسم وراح ضحيتها الملك فيصل الثاني وأفراد عائلته مرورا بانقلاب 8 فبراير/شباط عام 1963 ‪الذي نفذته ما تعرف بالقوى القومية بقيادة عبد السلام عارف والبعثيين وأطاحت بعبد الكريم قاسم وإعدامه في اليوم نفسه بعد محاكمة صورية سريعة.

وتسلم عارف السلطة حتى وفاته في حادث طائرة غامض عام 1966 وتولى شقيقه عبد الرحمن عارف الحكم بعده قبل أن يطيح به حزب البعث في 17 يوليو/تموز 1968، والذي تخلص بدوره من بعض قياداته بعد نحو أسبوعين من ذلك التاريخ. وبقي الرئيس حينها أحمد حسن البكر حتى يوليو/تموز 1979 عندما عزله نائبه صدام حسين وتولى السلطة بدلا منه. وقد بقي صدام ماسكا بزمام السلطة وأحبط جميع محاولات معارضيه للإطاحة به حتى إزاحته عبر غزو قادته الولايات المتحدة عام 2003 وتنفيذ حكم الإعدام به عام 2006.

ولم تنجح المظاهرات الأخيرة التي شهدها العديد من المدن العراقية والمعروفة بثورة تشرين في تغيير نظام الحكم الحالي في العراق، وما زالت الأحزاب السياسية النافذة في البلد تسيطر على مقاليد السلطة منذ عام 2003 وحتى الآن.

جذور وأسباب الفشل
ويرجع أستاذ التاريخ السياسي في الجامعة المستنصرية د. صالح العلوي جذور فشل الثورات في العراق إلى سياسة التغلغل بين كل الفئات والكتل السياسية التي مارستها بريطانيا أثناء احتلالها للبلاد بعد الحرب العالمية الأولى، واستطاعت أن تبني منظومة مخابراتية من داخل العراق بتجنيد الكثير من شيوخ العشائر ومن الفئات المجتمعية الأخرى بعد أن صارت البلاد من حصتها عقب توزيع تركة الإمبراطورية العثمانية بين الحلفاء المنتصرين.

وأدارت بريطانيا بهذه الطريقة سياسة العراق من خلال الإتيان بالملوك والرؤساء من الخارج دون أن تفسح المجال أمام أحدٍ من الداخل لحكم البلاد وبناء المنظومة السياسية فيه، كما يقول العلوي، مستحكمةً بزمام الأمور وأصبحت هي من تدير الانقلابات وتتقاسم الأدوار مع أميركا.

ولم يغب التدخل البريطاني حتى يومنا هذا عن أي ثورة أو انقلاب في العراق من خلال خيمتها الدبلوماسية وبتوجهاتها، وإن سكتت عنها اليوم لن تسكت عنها غداً، فكل الرجالات الذين تسابقوا إلى حلبة السياسة -حسب العلوي- سواء كانوا في الحُكم أو منقلبين سينقلب عليهم وبعلم الدوائر المخابراتية البريطانية مع بدئهم بالاستشراق السياسي، والسيناريو ما زال مستمرا حتى بعد الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

ومن العوامل الأخرى لفشل الثورات في العراق -بحسب العلوي- أن العراق لم يحكم من أهله عبر تاريخه السياسي، ولم تتح للعراقيين فرصة حُكم أنفسهم بأنفسهم، معززا جوابه بمثال عن حُكم العراق في الدولة الأموية من أُسَر قدمت من الحجاز وكذلك في الدولة العباسية أتت الأسرة الحاكمة من الحجاز رغم أن حكمها كان في بغداد لكن مرجعياتها الثقافية والدينية استمدتها من الفقه السياسي الحجازي والحال نفسها مع البويهيين والسلاجقة والمغول والعثمانيين.

ويرى العلوي أن احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول باتت في عداد الثورات الفاشلة الأخرى وتكاد تحتضر رغم أنها تمتازُ ببعض مقومات الثبات، لأنها خرجت من ساحة الألم العراقي ورحم المعاناة الشاملة من الفقر والجوع والاقتتال والحروب العبثية المجانية والتدخلات الخارجية والولاء المزدوج للخارج، وصار الألم العراقي مشتركا وهو ما يوحّد الجماهير بالوقت الحالي للدفاع عن أهدافهم باحتمالية تغيير الخارطة السياسية في الانتخابات المبكرة المقبلة.

ولا تنجح الثورات المدنية عادةً إلا في البيئات والمجتمعات الديمقراطية مثل أوروبا ويصبح الأمر مستحيلاً في بلداننا ولاسيما العراق المحتل بالقوة، وهذا ما جعل أكثر التحولات فيه باتت عسكرية وعن طريق السلاح حصرا.


وما زال من يمتلك السلاح في العراق هو المتنفذ -حسب السياسي العراقي المخضرم محمود عثمان- لغياب الديمقراطية والحكم المدني الحقيقي فيها، ويرى أن انتشار السلاح وعسكرة المجتمع هما سببا فشل الثورات والانتفاضات المدنية في العراق.

وتعارض الصحفية البغدادية هناء رياض الحُكم بالفشل على الاحتجاجات الأخيرة مثل الثورات الأخرى، مؤكدةً أنها ما زالت مستمرة بقطف ثمارها -وإن كان ذلك على حساب خيرة شباب البلد وأمنه- مخالفةً بذلك رأي عثمان الذي يرى في حديثه للجزيرة نت أن ما تعرف بثورة أكتوبر/تشرين الأول تتجه نحو تراجع نفوذها وتأثيرها ولم تعد مثل بدايتها ولم تحقق أهدافها الرئيسية لأن القتلة ما زالوا طلقاء.

نريد وطنا
وتكاد تكون احتجاجات أو ثورة تشرين الثورة الوحيدة في تاريخ العراق، والتي نطقت بلسان حال الشعب وجمعت شمله على شعار واحد وهو (نريد وطنا)، ولا تحتاج هذه الثورة كما تقول هناء رياض للجزيرة نت إلى التلميع أو الترويج من أحد فهي عرّفت عن حالها بدم شهدائها الذين كانوا يتساقطون واحداً تلو الآخر دون تراجع أو تغيير مسارها.

وترى هناء أن إقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي هي بمثابة أول الغيث ولولا الضغوط التي عصفت بالعراق -حاله كحال كل بقاع العالم بسبب أزمة فيروس كورونا- لَمَا تراجع الشباب من ساحات التظاهر، رغم أنهم اليوم عازمون على إعادة ثورتهم بشكل أكبر وأكثر تنظيما من خلال استئناف الاحتجاجات يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

خيانة وغدر
ويعتبر تاريخ العراق تاريخا انقلابيا، ولا يمكن أن تنشأ أي حركة انقلابية إلا بتعاون من الداخل وخيانة من الأعوان تعمل على تهيئة الظروف وتعبيد الطريق لإنشاء الأنظمة الجديدة، وهذا هو ديدن السياسة في دول الشرق الأوسط حسب رد هناء رياض على سؤال للجزيرة عن أسباب عدم تغيير الثورات التي شهدها العراق منذ عام 1920 أنظمة الحكم في البلاد.

وانعكست إشاعة الثقافات المناطقيّة الضيّقة سلبا على الثورة وأهدافها بتدخل بعض الجهات بأيديولوجياتها من تكريس ونشر ثقافات الاتكال على الآخرين وعدم المشاركة الفاعلة في التغيير مثل (حنطتهم تأكل شعيرهم) أو (حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل) أو (نارهم تأكل حطبهم) وغيرها مما ساعد في إفشال الثورات الشعبية بالعراق على مختلف الأزمنة والأمكنة، حسب الناشط المدني غازي فيصل.

وأدّت هذه الثقافات الضيّقة -حسب فيصل- إلى بعثرة أوراق الثورة وقتل مؤيديها وحاملي رآياتها وسط بحر متلاطم الأمواج وهم يحصدون الخيبة وخذلان الشعوب التي أصبحت ترضخ لحفنة من المال مقابل التخلي عن الهوية الوطنية والانتماء إليها.

وختم فيصل حديثه للجزيرة نت بالتأكيد على أن الثورات تحتاج إلى وعي جماهيري كبير وتكريس ثقافة مجتمعية تعمل بمقولة إن الجميع في خطر إذا لم يعملوا على إيصال السفينة إلى شواطئ الأمان.

   

إذاعة وتلفزيون‏



الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

556 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك