الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته / الحلقة الثانية

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته / الحلقة الثانية

   

 عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته / الحلقة الثانية

          

                                

                               


استطلاع المنطقة.. ليلة الواجب الاولي

فكرت بادئ ذي بدء، ان أستطلع المنطقة التي تحيط بدار رئيس الجمهورية جيداً وبشكل أفضل مما أجريناه علي عجل قبل حوالي ساعة واحدة.. فقمت بجولة جديدة حول الثكنة، وبصحبتي عريف الفصيل رأس العرفاء كامل عبد الحسن، ملقياً نظرة خاصة وفاحصة علي مبني القسم الداخلي لطلبة دار المعلمين الابتدائية الذي يكتظّ بعشرات الطلاب الشباب، وسرت في الشوارع الفرعية المحيطة بالدار وركزت نظري علي السطوح العالية للدور ذات الطابقين بشكل خاص، لأعود الي سطح قاعة منام الجنود داخل الثكنة ومكتب آمر الفصيل. وثبتّ في بالي المواقع المحددة التي يمكن توجيه الجنود اليها في حالة فتح نيران أسلحة نحو دار رئيس الجمهورية، ذلك قبل ان اطلب من عريف الفصيل جمع ضباط الصف والجنود لأتعرف عليهم شخصياً، ويتعرفوا هم ايضا علي آمرهم الجديد وبعد ذلك، دخلت الي المشجب للتأكد من كميات العتاد المتوفرة لدي فصيل الحماية.

         

مضي الوقت سريعاً حتي حل الليل لأشعر معه برهبة تسري في نفسي، فإنها وإن لم تكن شديدة فحسب، فقد كانت كبيرة ومؤثرة، فها انا وحدي في بقعة تنأي عن القصر الجمهوري مسافة قد تصل الي حوالي عشرة كيلومترات، ولا اتصال لي معه سوي ذلك الهاتف اليتيم الذي يمكن ان يعطل او ينقطع بكل سهولة ويسر، فهو يرتبط بسلك رفيع معلق في الهواء بين أعمدة واضحة لكل عين، ولا سيارة تحت إمرتي أستطيع التحرك بها أو توجيهها أو تحريكها في مواقف طارئة معينة، وقد راودتني أسئلة وتساؤلات عديدة لم أجد لها جواباً يشفي غليلي.
وهكذا ظللت في الفراش متقلباً ذات اليمين وذات الشمال، وبملابسي العسكرية وسلاحي قرب رأسي حتي مطلع الفجر، انتقل الي خارج الثكنة مرة في كل ساعة لأتأكد من يقظة الجنديين الحارسين وضابط الصف الخافر بينهما، وأسأل وأتاكد من عدم وجود أي تجمع لأشخاص هنا او هناك، فقضيت تلك الليلة الثقيلة في تفكير دؤوب بحظي الذي حلّ بي وأتاني الي الحرس الجمهوري، ولكن عندما استعرضت شخوص الضباط الذين تعرفت عليهم وعرفت معظمهم عن كثب وبشكل فضولي لا أنكره، توصلت الي ان جلّهم (لا ناقة لهم ولا جمل) بالنظام الحاكم، فالذي كان يقال في المجالس الخاصة والعامة وأحيانا في الشارع العراقي عن عبد السلام محمد عارف انه يعتمد علي (عشائر الدليم) للحفاظ علي سلطته، وإسناده مناصب متنفذة لأشخاص ينتمون الي تلك المنطقة وقبائلها، أو هم من سكان مدن لواء (محافظة) الانبار، لم أجد له أثرا يذكر في فوج الحرس الجمهوري الاول الذي أتبعه وهو الفوج المسؤول وبشكل مباشر عن حماية القصر الجمهوري ودار رئيس الجمهورية، فآمر الفوج الرئيس الاول (الرائد)عبد الرزاق صالح العبيدي والملازم سعد عبد الهادي من حي الاعظمية والرئيس (النقيب) كاظم عزيز من حي الكرادة والملازم حامد جاسم ـ علي الرغم من كونه يحمل لقب الدليمي فإنه من عشيرة البوعلوان القاطنة في لواء الحلة، والملازم الاول سلمان شجاع الندواي من منطقة الكريعات، والملازم الاول يوسف خليل والملازمان عبد محمود البنا وقاسم علي من لواء الموصل، والملازمون وليد جسام وعبد الجبار جسام وقاسم فرحان كرخيون، والملازم عبد الامير عبيد من قضاء النعمانية التابع للواء الكوت، والملازم فاهم مالك من الديوانية، والملازم الاول قاسم محمد صكر من الناصرية، والملازمان سعد شمس الدين وعدنان العزاوي من لواء ديالي، والملازم عبد مطلك الجبوري من قضاء الحويجه التابع للواء كركوك، وانا من مدينة كركوك فلا يبقي هناك سوي ستة ضباط ما بين دليمي وعاني وحديثي من مجموع اربعة وعشرين ضابطاً، وتوصلت ايضا الي ان فوجنا اعتيادي ولكنه مكلف بواجب خاص، ولذلك فمن الأخلاقيات والتقاليد العسكرية التي تربيت عليها في الكلية العسكرية، ان اُؤدي واجباتي ضمنه كأي ضابط في وحدات الجيش العراقي، وتذكرت جيدا أنني قد اقسمت اليمين بالله العظيم وبالشرف العسكري أن اُؤدي واجباتي علي خير ما يرام خدمة للوطن والجيش، لذلك حصلت لدي القناعة التامة بأنه يتحتم علي أن أقوم بهذه المهمة وغيرها علي خير ما يرام وعلي ان أتوكل علي الله سبحانه وتعالي.

 وجها لوجه مع الرئيس

مضت ساعات الصباح ليوم الثاني والعشرين من آب (اغسطس) 1964 بين تدريب وفطور ومحاضرة ألقيتها علي الجنود وهم جالسون علي أسّرتهم في قاعة منامهم ظهراً حتي موعد طعام الغداء، وحلّت الساعة الثانية بعد الظهر، إذ كنت جالساً في المكتب، حين رن جرس الهاتف:
ـ نعم، تفضلوا.
ـ مساء الخير.. انا الرائد عبد الله مجيد سكرتير ديوان الرئاسة.
ـ نعم سيدي تفضل.. انا الملازم صبحي ناظم.
ـ كيف حالك يا ملازم صبيح؟ هل أنت من الضباط الاحداث؟
ـ بخير سيدي.. واسمي صبحي وانا من الضباط الاحداث.
ـ حسناً يا ملازم صبحي.. الآن سيغادر السيد رئيس الجمهورية القصر، وعليك اتخاذ اجراءاتك الاعتيادية حسب التعليمات.
ـ حسناً سيدي.
وصل الموكب إلي الشارع الفرعي الذي كنت واقفاً في مدخله.. كانت سيارة رئيس الجمهورية واضحة تماماً، أديت التحية العسكرية وكذلك ضباط الصف والجنود الحراس، سار الموكب دون توقف فسُرت معه حتي استقر امام باب دار رئيس الجمهورية، عندها نزل الملازم رشيد علوان المهداوي مرافق الرئيس من السيارة ووقف بالاستعداد مؤدياً التحية العسكرية، قبل ان يفتح رئيس الجمهورية الباب الخلفي الايمن بنفسه ويترجل.
وقفتُ بالاستعداد وأديت التحية العسكرية، وقدمت نفسي بالاسلوب المتعارف عليه امام السيد الرئيس، والذي وقف قبالتي بالاستعداد، وهو يرتدي بدلة مدنية كحلية اللون، وقميصا ناصع البياض، وربطة عنق من لون البدلة. لم يتفوه بأية كلمة ودخل الي داره فيما غادر الموكب بضمنه افراد الحماية الخاصة.
وفوراً سمعت اصوات أولاد رئيس الجمهورية لأول مرة، وهم يستقبلون أباهم قرب الحديقة، ودفعني الفضول ان أتقدم بضع خطوات الي مقربة من سياج الدار المنخفض لأري عبد السلام محمد عارف وقد انحني عليهم يقبلهم ويقبلّونه، فتعلق الصغيران التوأمان (محمد ومحمود) برقبته قبل ان يحملهما معاً بين ذراعيه متجهاً الي داخل البيت.
واتباعاً للتعليمات، عدت الي مكتبي داخل الثكنة بخطي سريعة، لأخُبر سكرتير ديوان الرئاسة هاتفياً بوصول السيد الرئيس الي بيته، قبل ان أعود مسرعاً الي الخارج لأراقب مواضع الجنود الحراس المحددة، وأطمئن علي اوضاع الحماية والشوارع والأسطح المشرفة، فأصدرت أوامري بفتح الشارع الفرعي امام السيارات الاهلية بشكل اعتيادي.

       

                                    حديقة احدى البيوت البغدادية


الرئيس يرتب كراسي الجلوس في حديقة منزله

اقتربت الساعة من السادسة عصراً، وكنت لا أزال خارج الثكنة، والجنود ما برحوا في مواقعهم، وقد اجريت بعض التبديل بين اولئك الذين رابطوا في نقاطهم اكثر من ساعتين بآخرين كانوا في القاعة متهيئين، وسمحت لآخرين باجازة تسمي النزول الي بغداد ، اذ طرق سمعي صوت رئيس الجمهورية وهو يتكلم مع اولاده في حديقة البيت.. فتعمدت السير قريباً من سياج الدار، حين شاهدت عبد السلام عارف وهو يرتّب عدداً من الكراسي الخفيفة المصنوعة من الالمنيوم مغطاة بشرائط النايلون، ومن ذلك النوع الذي كان معظم اهالي العراق يستخدمونه في حدائقهم.
كان الرئيس مرتدياً (بيجاما) صيفية صفراء اللون مقلمة بخطوط خضر.. وبينما جلس الاولاد علي الكراسي، فقد فرش عبد السلام سجادة صغيرة ليؤدي صلاة العصر قبل ان يتناول الشاي مع أسرته.
شددت علي الجنود بوجوب اليقظة والحذر ومراقبة المنطقة المحيطة جيداً، حتي حل موعد صلاة المغرب بعد الساعة السابعة بقليل، اذ جاءني السائق الحاج أحمد ليخبرني ان السيد الرئيس يطلب ان تحضر سيارته لتعود به الي القصر الجمهوري، علي ان تنتظره في ساحة عنتر.
فوجئت بالطلب، فساحة عنتر تبعد عن موقع الدار الذي نحن فيه أكثر من كيلومتر واحد، والملازم فاهم مالك لم يتطرق لمثل هذا الأمر عندما ابلغني يوم امس بتعليمات الحماية ولم يذكر سوي حضور السيارة الي هذا المكان بالذات.. فكيف سأتصرف والحالة هذه؟
توجهت الي حيث الهاتف في مكتبي، واتصلت بـالعميد زاهد محمد صالح وأبلغته بالامر فلم يستغرب!! ولكنه طلب وكّرر أن اُرافق السيد الرئيس الي حين وصوله الي ساحة عنتر، وان يسير معنا بعض جنودي لتأمين حماية سيادته.
مرت بضع دقائق قبل ان يخرج عبد السلام عارف من باب داره، لأؤدي له التحية العسكرية المعتادة، وفاجأني بدخوله الي الثكنة من باب الخروج.. سرتُ علي يساره متخلفاً وراءه بخطوة واحدة، وتلك هي عادة العسكر.. توجه الي مكتب ضابط الحماية وألقي نظرة فاحصة عليها وعلي زواياها ومحتوياتها وغرفة النوم والحمام.. ثم الي قاعة منام الجنود، فنهض الجميع احتراماً له.. قبل ان نعود الي الشارع حتي بادرني بالسؤال:

هل انت راض عن وضعك ووضع جنودك؟

أجبته نعم سيدي، فلا يوجد لدينا نقص يذكر،

وسألني مرة أخري: وكم عدد جنودك؟

أجبت: الموجود الكلي خمسة وعشرون، والحالي ثمانية عشر، وهناك سبعة جنود نزلوا الي بغداد في استراحة بعد الظهر كما هي العادة يومياً سيدي.

عند ذلك بدأ الرئيس يوجّه نصائحه وتوجيهاته اليّ قائلا:

قبل كل شيء، اُريدك يا ملازم صبحي، ان تكون حريصاً علي جنودك وعلي راحتهم وضبطهم ونظامهم ونظافتهم.. وان لا تأكل قبل ان يأكلوا جميعاً، ولا ترتاح قبل ان تريحهم، ولا تنام قبل ان يناموا.. عندها تجدهم يحبونك ويتعلقون بك.. فالعسكرية ليست اصدار أوامر فحسب، بل هي حب واحترام ونظام.. فأنت ضابط قد تخرجت حديثاً، وعليك ان تتعلم مثل هذه الامور جيداً وتتخذها نهجاً في حياتك اليومية، مثلما تعلمنا نحن من الضباط الذين سبقونا ممن عملنا بإمرتهم في ظروف السلم والحرب.. فمهنة العسكر هي مهنة الموت، فلا ينبغي ان تصدق ان جندياً يمكن ان يقذف بنفسه نحو الموت في المعركة لمجرد أوامر أصدرها اليه ضابطه، لو لم يحبه من صميم قلبه، كن لهم أباً وأخاً كبيراً، حتي لو كان هناك فارق عمر بينك وبين بعض جنودك وضباط صفك خصوصاً..

نعم سيدي ـ قلت ـ واستطردت قائلا: انه ليشرفني ان اسمع مثل هذه النصائح من سيادتك.

سكت الرئيس عبد السلام قليلاً قبل ان يسأل وكأنه انتبه الي (لكنة) في نطقي:
ـ من اين انت يا ملازم صبحي؟
ـ من كركوك سيدي.
ـ أتركماني أنت أم كردي؟
ـ تركماني سيدي.
ـ بارك الله فيكم.. فأنتم أبطال، انتم اولاد عمر علي (1) بطل معركة جنين في فلسطين 1948. وقد عانيتم أنتم الأمرّين علي أيدي الشيوعيين في مذبحة كركوك عام 1959، وقاومتم ببطولة.

شكراً سيدي ـ قلت، واردفت: ان اللواء الركن عمر علي صديق لوالدي وعمي، ولنا معه صلة قرابة.

وسألني الرئيس: ومن هما والدك وعمك؟

أجبته: والدي من موظفي مديرية النفط في كركوك وعمي الذي أقصده هو ابن عم والدي العقيد المتقاعد مصطفي عبد القادر.

رد علي الرئيس إن كان المقصود (مصطفي بيك) الذي كان آمراً لأحد افواج المجاهدين الفلسطينيين، فأرجو تبليغ سلامي الخاص له، وان بابي مفتوح له وللواء عمر علي متي يشاءان دون قيد او شرط،

قلت: شكراً سيدي سأبلغمها بذلك.

ثم سألني هل يصل الطعام الي الجنود بشكل منتظم؟ أجبت: نعم سيدي.. وقد وصلت وجبات اليوم في مواعيدها المقررة. قال:

علي اية حال إذا لم تصل اليهم وجبة، فأنني اُخوّلك ان تبعث سائقي الحاج احمد بسيارتي ليجلب لهم (الكباب) علي عددهم، وعلي نفقتي الخاصة.

قلت شكراً سيدي وهذه التفاتة طيبة من سيادتكم وسأبلغهم بذلك.

كلا.. رد الرئيس لا اريد تبليغهم، لأن ذلك يعتبر (مّنة)، فمن حقهم علينا ذلك، فهم يحرسون بيتي ليل نهار. ولولا ظروف البلد الحالية لما سمحت لجندي واحد ان يبقي في هذا المكان.

الرئيس منعني من مرافقته

كنت أسير مع الرئيس عبد السلام عارف في ممر مقر الحماية ذهاباً وإياباً حتي حل ظلام الليل بعض الشيء، اذ كانت الساعة قد قاربت الثامنة، وهو يرتدي الملابس نفسها التي حضر بها ظهر ذلك اليوم، والحقيقة أن مشاعر الرهبة والاستغراب وبعض السعادة قد تملكتني، علي الرغم من أن ذراعيّ ويديّ كانتا (مُتسمرتين) علي جانبي تماماً، وكيف لا؟ فأنا ملازم (آمر فصيل) وهو مشير ركن وقائد عام للقوات المسلحة ورئيس البلاد، وكان نشطاً في مشيته وحركاته ، واضحاً في كلامه مسترسلاً في أفكاره وطروحاته.
أسرع رئيس الجمهورية في مسيره بعض الشيء، وخرج الي الشارع العام، وأمسي يمشي علي الرصيف المتاخم لسياج مدرسة تطبيقات دار المعلمين الابتدائية، فسار خلفنا اربعة جنود من حملة البنادق كنت قد هيأتهم مسبقاً لغرض الحماية، حتي التفت نحونا وشاهدني والجنود، فقال:

شكرا ملازم صبحي، عد مع جنودك الي مقرك.
أعود الي مقري! قلت لنفسي كيف ذلك؟ رئيس الجمهورية لوحده في شارع عام مكتظ بالناس والسيارات! كيف لي ان لا اُنفذ ما أمرني به المرافق العسكري الاقدم للرئيس قبل أقل من ساعة واحدة؟ ولكن كيف أتصرف والسيد الرئيس أصدر امراً مباشراً لي بالعودة الي الثكنة؟
وفوراً أمرت الجنود الاربعة بالعودة الي الثكنة، بينما قررت ألا أترك رئيس الجمهورية لوحده مهما كانت النتائج، بل ان أسير خلفه ولكن علي بعد، لا سيما وانه من المحتمل ان لا يراني بعد ان حل ظلام أول الليل.

عبد السلام عارف وحيدا في شوارع الاعظمية

وضعت السيد الرئيس ضمن مدي النظر أمامي، سار علي الرصيف حتي اجتاز الشارع الفرعي المحاذي لـحديقة النعمان فدخلها من بوابة ركنها القريب.. كانت الحديقة مليئة بعشرات العائلات، وقد فرشت نساؤها الارض بالحصران او البطانيات القديمة، ونصبت الكراسي والمقاعد المتنوعة، وجلس الرجال والنساء يتحدثون او يتناولون طعام العشاء في تلك الامسية من الليالي العشر الاخيرة من شهر آب (اغسطس) 1964 ومجاميع من الاطفال والصبية يلعبون هنا وهناك، وفتيان يسيرون قريبا من فتيات أنيقات يرتدين ملابس قصيرة ـ تقليعة الستينيات ـ وبعض منهم يتبادل نظرات حالمة وبعض الابتسامات مع فتيات أحلامهم.
اخترق عبد السلام عارف الحديقة حتي ركنها القريب من سينما الاعظمية، ولربما من دون ان ينتبه اليه أحد او يكترث به.. كنتُ أسير خلفه علي بعد حوالي عشرين متراً بحذر وقلق، فأنا لا أحمل غير مسدس واحد مع ست وعشرين رصاصة ليس إلا! حتي خرج نحو محطة الوقود (البنزين) المتاخمة للسينما، وسار علي رصيف شارع الامام الاعظم أمام مقهي النعمان، اذ انتبه اليه بعض الجلوس، فقاموا احتراماً له، فسلّم عليهم، وردوا عليه: هله بالحجي..
واستمر بالسلام علي بعض الأشخاص والمسير، حتي وصل الي مجموعة دكاكين من ضمنها محل لبيع المعلبات والبقوليات وبعض الحبوب وقد علق في واجهته قطعة خشبية مكتوب عليها (وكيل مصلحة المبايعات الحكومية) حيث نهض رجل كبير السن يرتدي (دشداشة) بيضاء اللون واستقبله، فتحاضنا وتبادلا القبلات بحرارة ثم دفع الرجل اليه صفيحة فارغة تسمي في اللهجة العراقية (تنكه) عليها قطعة مربعة من الاسفنج الاصطناعي وجلس رئيس الجمهورية علي الصفيحة وهو يتبادل الحديث معه، وانا أنظر اليه عن بعد محاولاً الاختفاء بين المارة من الناس، وهم بالمئات بين ذاهب وآت، لكنها كانت دقائق مُتعبة علي نفسي وسط هذه الجموع من البشر.
أسرع الرئيس في خطاه، بعد ان ودع صديقه وخرج من محله وقد وضع يديه خلف ظهره وهو يسير علي الرصيف بين أناس ينظرون إليه بسكوت أو ذهول، وبين آخرين لا يثير انتباهم، يسير بين اشخاص يحيونه بالسلام وآخرين لا يكترثون به بتاتاً، وهو يتجه نحو ساحة عنتر ولم تمض سوي دقائق حتي شاهدتُ من بعد السيارة الرسمية لرئيس الجمهورية وقد وقفت في جانب من الساحة، حياه الجميع بالتحية العسكرية وعلي رأسهم مرافقه الشخصي، فيما وقف جمع من الناس وسط ساحة عنتر وأرصفتها ينظرون الي الرئيس، فاستقل سيارته وسار موكبه وهم يصفقون له ويهتفون.
تنفست الصعداء حقيقة، وأحسست تماماً أن خفقان قلبي الذي عانيت منه لساعات عديدة، وبالأخص خلال نصف الساعة الاخيرة، قد خفّ، وذلك قبل ان اعود راجعاً، وحامداً العلي القدير ان يوماً واحداً ـ لا أنساه أبداً ـ قد مر بسلام.

      

اللواء عمر علي وآراؤه في السياسة

رأيت من الواجب والأمانة، وبعد أن أطري عبد السلام عارف ذلك المديح بحق اللواء الركن المتقاعد عمر علي (1) في أول لقاء لي معه، أن أبلغ ذلك الي الشخص المعني في أول فرصة ممكنة، لأعود بما يطرحه ويتحدث فيه الي رئيس الجمهورية في لقاء قادم لا بد ان يقع طالما كنت مكلفا بمهمة حماية داره.
وبعد انقضاء عدة أيام، وحالما حضر ضابط بديل تسلّم مني المهمة، ارتديت أفضل بدلة مدنية صيفية أمتلكها، وذهبت الي داره في الوزيرية، ضغطت علي جرس المنزل فأطل أبو بارز بقوامه المهيب ووجهه البخيل في الابتسامة، وشاربه الكث، وصلعته التي تحتل الجزء الاكبر من رأسه الكبير.
دخلت متعقبا إياه الي غرفة الاستقبال المهيبة، وبعد دقائق من الترحاب والمجاملات والتهنئة لمناسبة تخرجي من الكلية العسكرية، وانتسابي الي صنف المشاة، سيد الصنوف العسكرية وأصعبها وأرقاها وأقربها الي الرجولة ـ حسب رأيه ـ بادرت الي القول:
ـ يا عم عمر.. جئت لأبلغك ان السيد رئيس الجمهورية ذكرك بالخير وشهد لك بأنك كنت بطلاً من أبطال حرب فلسطين، كما تحدث خيراً عن عمي مصطفي وطلب ان أبلغكما ان بابه مفتوح لكما متي شئتما.
نظر اليّ اللواء عمر علي وقد تجهّم وجهه قائلا:

أي رئيس جمهورية، ومن الذي أوصلك إليه؟
ـ لقد نسبت الي الحرس الجمهوري بعد تخرجي، وكلّفت بحماية دار رئيس الجمهورية خلال الايام الماضية.
ـ علي أية حال.. والآن يبعث عبد السلام معك سلامه وتحياته لي؟!!
ـ نعم يا عم.
وهنا تحول عمر علي الي كتلة من نار، وبات يزأر كالأسد وبأعلي صوته:

ان هذا (الأرعن الأهوج) في تصرفاته، والصبياني في طموحاته، قد قاد عراقنا العزيز الي ما أمسي عليه الآن.. وإنه لو لم يهجم علي بغداد وقصور العائلة الهاشمية ودار نوري السعيد، ولو لم يقترف خطأه في ذلك اليوم المشؤوم، لما كان عبد الكريم قاسم قد استطاع قلب نظام الحكم واستحوذ علي كرسي السلطة عام 1958، ان عبد السلام هو المسؤول الاول عما قاسيناه وما عاناه هذا الشعب المسكين وتعرض له هذا البلد المعطاء وما سيتعرض له من مآس ومذابح ومجازر هنا وهناك، وعما سيصيبنا من أوضاع غير مستقرة لسنوات طويلة قادمة.
ـ ولكن يا عم عمر، الا تقدّر ان اية ثورة تقوم في أي بلد، تعقبها سنوات من عدم الاستقرار ريثما تعود الامور الي مجاريها؟
ـ ولماذا الثورة.. لماذا الثورة يا صبحي؟ واية ثورة تلك التي تتحدث عنها؟ ان الثوار لم يكونوا سوي حفنة من الضباط المجازفين والطامعين في تسلّم مناصب ليسوا أهلاً لها، أرادوا السيطرة علي مقاليد الحكم، فسيطروا، وكان ما كان.
ـ ألم يخلّصونا من الاستعمار؟
ـ اوه.. أي استعمار؟ لم يكن العراق مستعمراً بشكل مطلق منذ قيام الحكم الوطني عام 1921، نحن لم نقبل أن يستعمرنا الانكليز وغيرهم، ولم نكن مثل العديد من الدول العربية الإسلامية التي رضخت لإنكلترا او خضعت لفرنسا او سارت في ركاب هولندا.
ـ يا عم.. اقولها بصراحة، إني لست بمستوي هذا الكلام الكبير، ولا يمكن ان أتحدث مع السيد رئيس الجمهورية إلاّ بقدر إجاباتي المحددة علي أسئلة معينة قد يطرحها.. ولكننا نسينا تحيات سيادته اليك.
ـ إني لست علي استعداد أن أرتبط مع عبد السلام بأية علاقة، فقد عانيت الضيم من ثورتهم، وأدخلتُ في قفص الاتهام بهذا العمر وبتلك الرتبة، وبعد كل تلك التضحيات لسبب تعرفه جيداً.. وحُكم عليّ بالإعدام شنقاً بعد ما خدمت هذا الجيش وهذا الوطن اكثر من ثلاثين سنة خدمة نظيفة لا شائبة فيها.. وتوفي ولدي من جراء سماعه حكم الإعدام عليّ، انا الآن لست بحاجة اليه ولا الي غيره، وسوف لا أتقرّب اليهم مهما كانت الظروف ان شاء الله..
ولكن لكي لا تحرج أمامه، رد اليه السلام فقط اذا ما طرح ذكري مرة اخري.
ودعت العم اللواء عمر علي، بعد أن قبلت يده اليمني احتراماً واعتزازاً.. ولم أنس في ذلك المساء ان أتوجه الي مكتبة في حي راغبة خاتون لأقتني أول (أجندة) في حياتي بسعر خمسمائة وخمسين فلسا، ليكون حديث أول السطور التي سجلتها في اوراقها عن ليلة 29/28آب (اغسطس)1964

          

* اللواء عمر علي/هو أحد أبطال الجيش العراقي وقد لعب دورا كبيرا في فلسطين عام 1948 وكان من المقربين من العائلة المالكة العراقية.

للراغبين الأطلاع على الحلقة الأولى..النقر على الرابط أدناه:

http://www.algardenia.com/fereboaliraq/5862-2013-08-12-20-44-44.html

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

797 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع