" الاتحاد العربي الهاشمي" بين العراق والأردن، أتحاد دام خمسة أشهر فقط..

" الاتحاد العربي الهاشمي" بين العراق والأردن، أتحاد دام خمسة أشهر فقط..

بدا التفكير في وحدة العرب مع بداية وعيهم السياسي في القرن التاسع عشر الميلادي، حينما كان معظم الوطن العربي تحت الحكم العثماني. ولو أحصينا مشاريع الوحدة العربية ومحاولاتها منذ مطلع القرن العشرين لتجاوز عددها المئة. ومن هذه المشاريع الوحدوية كان مشروع الاتحاد العربي الهاشمي الذي بدأت أولى خطوات تأسيسه بإيفاد ملك الأردن وزير البلاط الملكي سليمان طوقان إلى بغداد حاملا رسالة إلى ملك العراق حينها فيصل الثاني داعيا إياه لزيارة العاصمة الأردنية عمَّان، وفي يوم 11 فبراير/شباط 1958 زار الملك فيصل الأردن على رأس وفد كبير، وبعدها وفي يوم الجمعة 14 شباط 1958 أذيع بيان من محطتي إذاعة بغداد وعمان يعلن عن قيام الاتحاد العربي، وهذا هو نصه:

تلبية لدعوة حضرة صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، حضر إلى عمان يوم الثلاثاء المصادف 11 شباط 1958 حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني ملك العراق المعظم، وحضر أيضاً يوم الخميس الموافق 13 شباط حضرة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الإله، ولي العهد المعظم. وقد عُقدت اجتماعات عدة كانت تظللها ذكرى الثورة العربية الكبرى، وأهدافها، خلال هذه المدة برئاسة جلالتهما، وحضور سموه الملكي، وحضرها عن الجانب العراقي كل من أصحاب الفخامة والمعالي السادة (توفيق السويدي) عضو مجلس الأعيان، و(برهان الدين باش أعيان) وزير الخارجية، و(نديم الباجه جي) وزير المالية، و(عبد الرسول الخالصي) وزير العدل،

و(عبد الله بكر) رئيس الديوان الملكي، و(بهاء الدين نوري) سفير العراق في عمان،

والفريق الركن (رفيق عارف) رئيس أركان الجيش. وعن الجانب الأردني كل من أصحاب الفخامة والمعالي، والعطوفة السادة (إبراهيم هاشم)، رئيس الوزراء و(سمير الرفاعي)، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، و(سليمان طوقان)، وزير البلاط، و(خلوصي خيري)، وزير الاقتصاد الوطني، و(أحمد طراونة)، وزير التربية والتعليم والعدلية، و(بهجت التلهوني) رئيس الديوان الملكي الأردني، و(عاكف الفائز) وزير الدفاع والزراعة، و(فرحان شبيلات)، سفير الأردن في بغداد و(الفريق حابس المجالي)، رئيس أركان الجيش الأردني، واللواء (صادق الشرع)، معاون رئيس أركان الجيش. وكانت نتيجة المباحثات التي جرت في تلك الاجتماعات حول الاتحاد بين المملكتين العراقية والأردنية إلى أن تم التوصل بين الطرفين إلى عقد اتفاق لقيام (الاتحاد العربي) بين الدولتين الذي أعلن اليوم.

صدر في يوم الجمعة 24 رجب 1377 الموافق 14 شباط 1958، في قصر بسمان العامر بعمان.
"الاتحاد العربي" كان الاسم الرسمي لهذا الاتحاد إلا أن الاسم المتداول في الكتب والصحف وإلى يومنا هذا فقد كان "الاتحاد الهاشمي" إذ إن النظاميْن الحاكمين في كلا البلدين تحكمهما أسرة واحدة متمثلة في الأسرة الهاشمية،

التي ترجع لقائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي (شريف مكة) الذي ثار على الدولة العثمانية عام 1916. أولى الخطوات بدأت كما أسلفنا بإيفاد ملك الأردن الحسين بن طلال وزير البلاط الملكي سليمان طوقان إلى بغداد، حاملا رسالة إلى ملك العراق حينها فيصل الثاني داعيا إياه لزيارة العاصمة الأردنية عمَّان.

وفي 11 فبراير/شباط 1958، زار الملك فيصل الأردن على رأس وفد كبير، حيث لم يلبث المجتمعون أن توصلوا إلى إعلان الاتحاد العربي بين البلدين.
أربعة مشاريع سياسية طرحت في المنطقة العربية في خمسينيات القرن الماضي وهي: الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) الاتحاد العربي – الهاشمي (العراق والاردن) (الهلال الخصيب) المعروف بمشروع (الكتاب الأزرق) الذي طرحه نوري السعيد بتوجهات مغايرة لطرح انطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي، الذي كان يدعو إلى: "الوطن السوريّ هو البيئة الطبيعيّة الّتي نشأت فيها الأمّة السوريّة. وهي ذات حدود جغرافيّة تميّزها عن سواها، تمتدّ من جبال طوروس في الشمال الغربيّ وجبال البختياري في الشمال الشرقيّ، إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوريّ في الغرب، شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربيّة وخليج العجم في الشرق (وتوصف بالهلال السوريّ الخصيب ونجمته جزيرة قبرص)". وكان نوري السعيد طرح مشروعاً كونفدراليا عربياً وضع الأسس لجامعة الدول العربية، وأسس حلف بغداد مع تركيا آملاً ان تنضم اليه كل من إيران وباكستان، لكنه حورب عربيا كمشروع استعماري، فلم يكتمل. وللتذكير، فأن نوري السعيد كثيراَ ما يوصف بأنه رجل الغرب في العالم العربي، ولكن كانت لديه من المواقف القومية ما يعد في حسابات اليوم منتهى الراديكالية، وكان مقتنعا بأن لابد للعراق أن يعتمد على دولة كبرى ليردع أعدائه. وهو يعتبر أحد عرابي تأسيس الجامعة العربية حيث تنافس مع رئيس وزراء مصر الأسبق مصطفى النحاس على تزعم واستضافة الجامعة العربية في بغداد إلا أنها أقيمت في مصر.
ماهي النوايا والأسباب التي دعت الحكومتين العراقية والأردنية للإسراع في انشاء هذا الاتحاد؟
تتعدد الأسباب التي أعلن على أساسها الاتحاد العربي الهاشمي، هذا الاتحاد الذي ولد في ظروف تاريخية كانت فيها المنطقة تنزع إلى فكر قومي عروبي ينادي بوحدة الوطن العربي. تذكر الوثائق البريطانية المتصلة بإقامة الاتحاد الهاشمي التي تتميز بكونها تعرض حقائق جديدة كثيرة عن المقدمات والمسار الذي يشجع ملك الاردن حسين على التقدم من العراق والسعودية بمقترح اقامة هذا الاتحاد، ثم بيان اسباب استجابة القادة في العراق له واندفاعهم السريع لإقامة الاتحاد بين العرشين الهاشميين.
وتقدم البرقيات والرسائل المتبادلة بين وزير خارجية بريطانيا وسفيره في بغداد السيد مايكل رايت وسفيره في عمان تشارلز جنستون تفاصيل واسعة عن هذا الاتحاد في حينه او بعد انحلاله عقب الثورة في العراق التي جاءت بعد أشهر قليلة من اقامته. والسهولة التي جرت فيها خطوات أقامه الاتحاد العربي الهاشمي بين الدولتين العربيتين لكونهما مرتبطتين بعائلة مالكة واحدة، العائلة الهاشمية، وهما العراق والاردن، اذ كان يحكمها فيصل الثاني والحسين بن طلال، اللذان ورثا الحكم من جدهما الاكبر الشريف الحسين بن علي، لذلك وفي 12 مارس/آذار 1958 وضعت الصيغة النهائية لمشروع الدستور الاتحادي، وبعدها بخمسة أيام تم تشريعه، حيث نصّ الدستور على أن يتألف مجلس الاتحاد من 40 عضوا مناصفة بين العراق والأردن، وأن السلطة التنفيذية تناط برئيس الاتحاد ويمارسها بواسطة مجلس وزراء الاتحاد.

وكان اتحاداً غير اندماجي، وجاء اعلانه رسمياً في 14 شباط 1958، رداً مباشر على خطوة الوحدة السورية ــ المصرية على يد جمال عبد الناصر.

ففي الأول من فبراير/ شباط 1958 أُعلن رسميا عن قيام الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا قبيل الإعلان عن الجمهورية العربية المتحدة يوم 22 فبراير/ شباط من العام ذاته، وبذلك ترسخت قناعة لدى العراق والأردن بضرورة المضي في تأسيس كونفدرالية الاتحاد المناوئ في هيكليته وأيديولوجيته للجمهورية العربية المتحدة. أما الرغبة في تحقيق الاتحاد بين العراق والأردن فلم تكن جديدة، بحسب بعض الباحثين في هذا المجال، إذ إن النظاميْن الحاكمين في كلا البلدين تحكمهما أسرة واحدة متمثلة في الأسرة الهاشمية، التي ترجع لقائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي (شريف مكة) الذي ثار على الدولة العثمانية عام 1916.
من خلال الوثائق السرية البريطانية المذكورة والتي قام بترجمتها دون تغيير في النص الأصلي، (الدكتور مؤيد الونداوي) في كتابه (الاتحاد العربي الهاشمي في الوثائق البريطانية)، يتبيّن مدى الدور البريطاني في تأسيس الاتحاد، وهو أن جميع الوثائق والآراء التاريخية تميل إلى اعتبار أن تشكيل الاتحاد جاء بضغط بريطاني لمواجهة الجمهورية العربية المتحدة المقربة من الاتحاد السوفياتي. فقد كانت المنطقة آنذاك تشهد تفاعلات لا تقل أهمية عن التفاعلات الحاصلة حاليا، فمنذ قيام إسرائيل عام 1948 وإعلان حلف بغداد 1955 وصولا إلى الجمهورية العربية المتحدة والاتحاد الهاشمي في فبراير/ شباط 1958، شكلت هذه التفاعلات نقطة مفصلية في حياة المنطقة. وباعتبار أن بريطانيا كانت الفاعل الدولي شبه المتحكم في سياسات الشرق الأوسط، فإنه كان لها الدور الفاعل في الاتحاد وتأسيسه ووضع دستوره، "يتجلى ذلك في أن الاتحاد جاء منسجما مع الرغبة البريطانية التي كانت ترفض انضمام الكويت إلى الاتحاد، وهو ما كان يطالب به العراق".

ومن أقوى التفاعلات في المنطقة قيام الثورة في مصر في 23 تموز / يوليو 1952، وظهور شخصية جمال عبد الناصر، وحصوله على الشعبية الواسعة لدى الجماهير العربية، وبخاصة بعد تأميم قناة السويس في 26 تموز/ يوليو 1965 والتي كانت تحت سيطرة (الشركة العالمية لقناة السويس البحرية) العائدة لبريطانيا وفرنسا، وقيام الدولتين مباشرة وبمساعدة إسرائيل بشن حرب على مصر أثر قرار التأميم هذا، سميت "حرب السويس" أو عربياً "العدوان الثلاثي". أثر ذلك توجهت مصر في السير نحو الوحدة العربية، باعتبارها المبدأ الأساس الذي يجسد فكرة القومية العربية.

نظرت الجماهير العربية نظرة إيجابية الى سياسة حكومة الثورة في مصر، في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، لاسيما فيما يتعلق بمقاومة الأحلاف وتبني سياسة عدم الانحياز، وكسر طوق احتكار السلاح الذي كان يفرضه الغرب على العرب، والنص في الدستور المصري المؤقت لأول مرة على أن مصر دولة عربية وشعبها جزء من الأمة العربية، بالإضافة إلى تأميم قناة السويس ومجابهة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.. وغيرها.
طرحت الجمهورية السورية شعار الاتحاد بين مصر وسوريا، وازداد تبادل الوفود الرسمية والشعبية بين مصر وسوريا في عام 1957، واستجاب جمال عبد الناصر للمطالبة بالوحدة، وأعلن الاتفاق المبدئي على قيام الجمهورية العربية المتحدة بوحدة مصر وسوريا فقوبل بالهجوم الشديد على المستوى الرسمي في العراق، وسعى نوري السعيد لتحريض دول ميثاق بغداد لعرقلة قيام الدولة الموحدة، وبث الدعاية لهدم الوحدة، حتى القيام بعمل عسكري أذا أقتضى الأمر.
وعلى الصعيد الشعبي، قوبلت الوحدة بترحيب واسع، ووصفتها الحركة الوطنية بأنها نواة للوحدة العربية الشاملة التي هدفها الشعب العربي في كل مكان، ووصفت جبهة الاتحاد الوطني الوحدة بأنها خطوة مباركة لتعزيز شأن الأمة العربية، وضربة قوية للأوساط الاستعمارية والرجعية الحاكمة. وخرجت الجماهير الشعبية بمظاهرات للمطالبة بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة، وأقيمت المهرجانات والاحتفالات التي تمجد نضال الشعب العربي والوحدة العربية.
لقد كان واضحاً أن هذا الاتحاد الذي أقيم على عجل ـ بعد عشرة أيام من قيام الوحدة بين سوريا ومصر ـ لم يكن في الحقيقة سوى رداً على هذه الوحدة التي أشعرت النظامين الهاشميين بالخطر، مما حدا ببريطانيا والولايات المتحدة إلى حثّ الملك حسين، والملك فيصل الثاني على الإسراع بإقامة هذا الاتحاد، خوفاً من المد الثورة الوحدوي الذي اجتاح العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، وهدد بشكل جدي المصالح الغربية الاستعمارية في المنطقة، كما جرت محاولات لجر المملكة العربية السعودية لهذا الاتحاد، إلا أن الحكام السعوديون الذين كانوا لا يشعرون بالارتياح للهاشميين، ولاسيما بعد أن أنتزع عبد العزيز آل سعود الحكم منهم في الحجاز ونجد، منعهم من الإقدام على اتخاذ هذه الخطوة. ولا شك أن للصراع البريطاني ـ الأمريكي على نفط العرب كان له دور في ذلك، فالولايات المتحدة وإن كانت لها مصالح مشتركة مع بريطانيا، إلا أنها كانت ترمي إلى إزاحة السيطرة البريطانية المطلقة على منطقة الخليج العربي بصورة خاصة والشرق الأوسط بصورة عامة، وهذا ما جرى فعلاً، حيث استطاعت الولايات المتحدة أزاحتها شيئاً فشيئاً عن المنطقة، ليصبح لها حصة الأسد في نفط الخليج. ولابد أن أشير هنا إلى أن قيام الاتحاد بين المملكتين قد قوبل بكل برود، وعدم اهتمام ليس من قبل الشعبين العراقي والأردني فحسب، بل من سائر الشعوب العربية، على عكس ما جرى حين قيام الوحدة بين سوريا ومصر، حيث اجتاحت العالم العربي موجة عارمة من الأفراح بقيامها لأن الشعوب العربية كانت مدركة أن تلك الوحدة كانت موجهة ضد المؤامرات الإمبريالية على العرب.

ان فكرة اقامة معسكر الملوك العراق والاردن والسعودية لغرض مواجهة المعسكر المصري ــ السوري، برزت اول مرة وبشكل واضح بعد انتهاء الحملة العسكرية البريطانية ــ الفرنسية ــ الاسرائيلية الفاشلة على مصر عام 1956، وتحديداً في مؤتمر برمودا، حيث اتفق رئيس الوزراء البريطاني هارولد ما كميلان مع الرئيس الامريكي داويت ايزنهاور على سياسة مشتركة في شأن مسائل الشرق الاوسط وهما اللذان شجعا على التقارب العراقي ــ السعودي بعد زمن طويل من انعدام الثقة.
هكذا قدم الملك حسين قبل نهاية عام 1957، مقترحه المتضمن امكان ان يقود الملك سعود دولة تضم الممالك الثلاث… لهذا ما ان طرح موضوع الاتحاد وامكان انضمام سعود اليه حتى بدأت سلسلة من المراسلات لتتكون في النهاية مجموعة اخرى مهمة من الوثائق حول موقف السعودية من الاتحادات العربية وردت في كتاب الدكتور النداوي. وعلى الفور أبرز عدم انضمام السعودية الى الاتحاد العربي الى الواجهة موضوعاً آخر هو موضوع الكويت. ومن المهم هنا، الاشارة الى ان العراق الرسمي والشعبي لم يتوقف قط عن الحديث مع الجانب البريطاني في شأن انهاء الحماية البريطانية على الكويت، في مقابل ذلك استمرت بريطانيا وبمنهج ذي هدف ثابت في ابقاء الكويت بعيدة من العراق وتعزيز مكانة اسرة صباح الحاكمة، وازدادت بريطانيا تمسكاً بالكويت تدريجياً جراء اهمية الاخيرة النفطية والحجم الكبير المتنامي للودائع الكويتية في المصارف البريطانية اضافة الى ان نفط الكويت كان مصدراً اساسياً لتأمين حاجات اسرائيل النفطية.
وبعد عام 1955، مارست الحكومة العراقية وبخاصة ولي العهد الأمير عبد الإله ونوري السعيد ضغطاً شديداً على بريطانيا للتوصل الى حل يرضي العراق فيما يتعلق بالكويت، وبلغ ذلك الضغط ذروته بعد اقامة الاتحاد العربي ذكرتها مجموعة وثائقية بريطانية مهمة لم تتناولها المصادر التاريخية بشكل واسع.
ان اهم ما تظهره هذه الوثائق هو المعارضة البريطانية ــ الامريكية المشتركة لموضوع انضمام الكويت الى الاتحاد العربي بشكل او بآخر. كما تظهر ان كلا البلدين اتخذ الترتيبات لتقديم المساعدات المالية الى الاتحاد بهدف اسقاط حجة العراق، بأن من شأن انضمام الكويت الى الاتحاد ان يخفف عن العراق الاعباء المالية التي كان عليه ان يتحملها نيابة عن الاردن. وعلى أي حال، فان المحادثات العراقية ــ البريطانية في شأن الكويت لم تتوقف حتى وقوع الانقلاب في العراق في 14 تموز 1958، ومرت هذه القضية بعد ذلك بمرحلة جديدة وهي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. اما ما يخص موقف اسرائيل التي تعاظمت مخاوفها وقلقها بسبب قيام الجمهورية العربية المتحدة، هالها اقامة الاتحاد العربي الذي يعني بالنسبة اليها امكان وصول الجيش العراقي الى حدودها.
اكدت الوثائق البريطانية حول الاتحاد العربي والتي كُشف عنها فيما بعد، ان طرفي الاتحاد فضلاً عن بريطانيا والولايات المتحدة، ترى ان لا حاجة الى التخوف من اقامة الاتحاد، ما دام هدفه منافسة الجمهورية العربية المتحدة والسعي الى افشال التجربة المصرية ــ السورية في الوحدة وحرمانها التوسع لضم دول عربية اخرى.

أما موقف بريطانيا التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية كان هذا الاتحاد يمثل التطابق مع أرادتها في تنظيم علاقاتها مع العراق والأقطار العربية الأخرى على أساس الدفاع المشترك مما يمكنها من المحافظة على سيطرتها الاستعمارية في المنطقة. كانت سياستها تقوم على ركنين أساسيين، أولهما تشجيع دول المنطقة على عقد الاتفاقيات فيما بينها لضمان الأمن والاستقرار، ثم جمعهما في تنظيم واحد يسمى (الكتلة الشرقية). وثانيهما السعي إلى عقد معاهدات ثنائية بين بريطانيا وحلفائها في الشرق الأوسط، تضمن لبريطانيا مصالحها الإستراتيجية عن طريق ضمان الدفاع المشترك والاستفادة من القواعد العسكرية.
اما الموضوع المدهش حقاً، فهو ان قادة البلدين وبوجه خاص الملك حسين ووزير خارجيته سمير الرفاعي وولي العهد في العراق الامير عبد الاله بن علي ونوري السعيد، كانوا جميعاً حريصين على ابلاغ السفراء البريطانيين اولاً بأول في كل يوم تقريباً تفاصيل ما كانوا يفكرون فيه ويعملون لأجله، وما كان يجري من محادثات بما في ذلك النيات والخطط، فضلاً عن النصائح والتوجيهات التي يمكن ان تقدمها بريطانيا لهم.
ولعل اهم ما تضمنته مجموعة الوثائق المذكورة، احساس القادة العراقيين العميق، بأن نهاية النظام الملكي قربت، وانه لن تستمر طويلاً بل توقعوا سقوطه خلال أشهر. أكد هذا النوع من الاحساس بوجه خاص ولي العهد ونوري السعيد من خلال أحاديثهما المتكررة مع السيد مايكل رايت في بغداد. وكان السفير البريطاني هو الآخر يدرك تماماً حقيقة الموقف الصعب الذي كان يعيشه المسؤولون العراقيون. وكل شيء كان متوقفاً على الدعم الذي يمكن ان تقدمه بلاده والحكومة الامريكية في مساعدة العراق للوقوف امام التأييد الشعبي العارم الذي كان يحظى به الرئيس عبد الناصر داخل العراق وفي كل مكان في الوطن العربي.

نص اتفاق الاتحاد العربي:
المقدمة:
لما كانت الثورة العربية الكبرى التي قادها جلالة المنقذ الأعظم [الحسين بن علي] إيذاناً ببزوغ فجر جديد للأمة العربية تمثلت بالتضحية والفداء في سبيل تحرير الوطن العربي الكبير، وتوحيد شعوبه وأقطاره، لاستعادة مكانة العرب بين أمم العالم، والمساهمة في تقدم الحضارة الإنسانية، ولما كانت تلك الثورة المباركة قد انبثقت عن إرادة العرب في الحرية والوحدة، مستندة في ذلك إلى ماضيها المجيد، وإيمانها بنفسها، وبرسالتها القومية الخالدة، ولما كانت رسالة الثورة العربية التي قضى باعثها في سبيلها، قد انتقلت إلى الأبناء والأحفاد، يتوارثونها جيلاً بعد جيل، لتبقى المشعل الذي يهدي الأمة العربية في سيرها نحو أمانيها المنشودة في الوحدة الشاملة المستكملة لجميع أسباب الحرية والسيادة والعزة، لاستعادة الأمجاد، والمحافظة على التراث والمقدسات، والتطلع إلى مستقبل مشرق في ظلال هذه الوحدة المباركة، فقد قررت الدولتان الهاشميتان إنشاء اتحاد بينهما يقوم على هذه الأهداف السامية، وتحقيقاً لهذه الغايات والأماني القومية، تم الاتفاق بين الطرفين على ما يلي :
1ـ ينشأ اتحاد عربي بين المملكة العراقية والمملكة الأردنية الهاشمية باسم [الاتحاد العربي] اعتباراً من يوم الجمعة 24 رجب 1377هجرية والموافق ليوم 14 شباط 1958 ميلادية، ويكون هذا الاتحاد مفتوحاً للدول العربية الأخرى التي ترغب للانضمام إليه.
2ـ تحتفظ كل من الدولتين بشخصيتها الدولية المستقلة، وسيادتها على أراضيها، ونظام الحكم القائم فيها.
3ـ تكون المعاهدات، والمواثيق، والاتفاقات الدولية التي سبق أن ارتبطت بها كل من الدولتين قيل قيام الاتحاد بينهما مرعية بالنسبة للدولة التي عقدتها، وغير ملزمة للدولة الأخرى.
أما المعاهدات والمواثيق والاتفاقات الدولية التي ستعقد بعد قيام الاتحاد، والتي تدخل ضمن موضوعات الاتحاد من اختصاص وسلطة حكومة الاتحاد.
4ـ اعتباراً من تاريخ الإعلان الرسمي لقيام الاتحاد، تنفذ إجراءات الوحدة الكاملة بين دولتي الاتحاد في الأمور التالية:
أ ـ وحدة السياسة الخارجية والتمثيل السياسي.
ب ـ وحدة الجيش العراقي والجيش الأردني.
ج ـ إزالة الحواجز الجمركية بين الدولتين، وتوحيد القوانين الجمركية.

د ـ توحيد مناهج التعليم.
5ـ يتفق الطرفان بأسرع وقت على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوحيد النقد، وتنسيق السياسة المالية والاقتصادية بين الدولتين.
6ـ عندما تقتضي الظروف، ومصلحة الاتحاد، توحيد أي أمر من الأمور الأخرى، غير الواردة في المادة الرابعة، تتخذ الإجراءات اللازمة بموجب دستور الاتحاد، لإدخال ذلك الأمر ضمن اختصاص وسلطات حكومة الاتحاد.
7ـ يكون علم الثورة العربية علم الاتحاد، وعلماً لكل من الدولتين.
8 ـ أ - تتولى شؤون الاتحاد حكومة اتحادية تتألف من مجلس تشريعي، وسلطة تنفيذية.
ب ـ ينتخب كل من مجلس النواب العراقي والأردني، أعضاء المجلس التشريعي من بين أعضائهما بعدد متساوي من الدولتين.
ج ـ يعين أعضاء السلطة التنفيذية وفق أحكام دستور الاتحاد، لتولي الأمور التي تدخل ضمن اختصاص حكومة الاتحاد.
9 ـ يكون ملك العراق رئيساً لحكومة الاتحاد، وفي حالة غيابه، لأي سبب كان، يكون ملك الأردن رئيساً لحكومة الاتحاد، ويحتفظ كل من الملكين بسلطاته الدستورية في مملكته، وعند انضمام دولة أخرى إلى الاتحاد، يعاد النظر في وضع رئاسة الاتحاد حسب مقتضيات الأمور.
10 ـ يكون مقر حكومة الاتحاد بصورة دورية في بغداد لمدة ستة أشهر، وفي عمان لمدة ستة أشهر أخرى.
11ـ أـ تضع حكومة الاتحاد دستوراً للاتحاد، وفق الأسس المبينة في هذا الاتفاق، ويعدل دستور كل من الدولتين إلى المدى والحدود التي تقتضيها أحكام دستور الاتحاد.
ب ـ تتخذ التدابير والإجراءات اللازمة لإقامة حكومة الاتحاد، ووضع دستور الاتحاد في مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر من تاريخ توقيع هذا الاتفاق.
12ـ يبرم هذا الاتفاق وفق الأصول الدستورية لكل من الدولتين.
صدر عن قصر بسمان العامر في عمان، في يوم الجمعة 24 رجب 1377 هجرية، المصادف ليوم 14 شباط 1958 ميلادية.
وفقا للوثائق البريطانية السرية التي كُشِفَ عنها، فإن إعلان الاتحاد كان يمكن أن يكون قبل موعد إعلانه بأشهر، إلا أن معوقات عديدة كانت لا تزال قيد المفاوضات، إذ كان العراق عضواً في حلف بغداد الذي كان يشكل جبهة ضد المعسكر الاشتراكي، في حين أن الأردن لم يكن عضواً فيه، إضافة إلى أن العراق كان يصر على انضمام الكويت للاتحاد على اعتبار أنها امتداد للعراق وجزء منه إبان الدولة العثمانية، فضلا عن رغبة العراق في تحمل الكويت جزءا من التبعات المالية الناتجة عن الاتحاد وتمويل الأردن الذي يفتقر للنفط.
وفي خضم هذه المعوقات، وبعد أن توصل العراق والأردن لصيغة اتفاق تقضي بإمكانية بقاء العراق في حلف بغداد دون أن يكون الأردن جزءا منه، وبعد أن أدرك العراقيون أن الكويت وبريطانيا (المهيمنة على العراق والأردن والكويت) رفضت إدماج الكويت في الاتحاد، قرر العراق والأردن المضي في الاتحاد.
استلزم تنفيذ الاتحاد تعديل الدستور العراقي، الأمر الذي يستلزم إقامة انتخابات جديدة، لذلك في الثامن من آذار 1958، أقيمت الانتخابات وتشكلت حكومة عراقية جديدة. وفي الثاني عشر من أيار / مايس أقر البرلمان الجديد دستور الاتحاد وانشئ برلمان اتحادي، وضعت الصيغة النهائية لمشروع الدستور، وبعدها بخمسة أيام تم تشريعه، حيث نصّ الدستور على أن يتألف مجلس الاتحاد من 40 عضوا مناصفة بين العراق والأردن، وأن السلطة التنفيذية تناط برئيس الاتحاد ويمارسها بواسطة مجلس وزراء الاتحاد. ثم اندمج الجيشان العراقي والاردني وان ملك العراق فيصل الثاني هو رئيس الاتحاد وان مقر حكومة الاتحاد يكون بصفة دورية ستة أشهر في بغداد وستة أشهر في عمان. وفي 19 ايار 1958، شكلت الحكومة الاتحادية وصار نوري السعيد رئيساً لوزرائها، ونائبه الأردني إبراهيم هاشم، في حين حظي العراقي توفيق السويدي بمنصب وزير الخارجية، والأردني سليمان طوقان بوزارة الدفاع، والعراقي عبد الكريم الأزري بوزارة المالية. بقيت الوزارة الاتحادية في الحكم حوالي شهرين قبل اسقاط النظام الملكي وقيام النظام الجمهوري صبيحة ١٤ تموز ١٩٥٨.
سارع نوري السعيد إلى دعوة الكويت للانضمام إلى الاتحاد، وهي خطوة كانت ستجعل الاتحاد مستساغاً للعراقيين، أذ يعد الكثير من العراقيين ولا يزالون الكويت جزءاً من العراق، سلخها البريطانيون من الإمبراطورية العثمانية. وعلى أية حال فانضمام الكويت إلى الاتحاد سيستوجب اعتراف بريطانيا باستقلالها، لم تكن الكويت متحمسة لفكرة الاتحاد، إذ أنها لم ترغب أن يبتلع العراق والأردن أراضيها ومواردها النفطية. وفي الزيارة التي قام بها نوري السعيد إلى الكويت، داعياً إلى انضمام الكويت إلى الاتحاد العربي، كان رد الشيخ عبدالله السالم بالرفض، حيث قال لنوري السعيد ان الكويت لا تنظم إلى أي كيان سياسي يؤدي إلى الفرقة بين الدول العربية، ولا هي على استعداد للانضمام إلى اتحاد أو كيان لا يشمل الدول العربية جميعها، وهو يعلم بأن مثل هذا الكيان لا يمكن تحقيقه مرة واحدة، وهو أسلوب مكشوف لرفض الدخول في الاتحاد، وبذلك أغلق (الشيخ عبدالله السالم الصباح) كل الأبواب أمام نوري السعيد في تلك الزيارة، والذي عاد إلى العراق بعد يومين من الزيارة. ولم ترغب بريطانيا وهو السبب الأهم بذلك أيضاً، فهي لم تكن مستعدة للتخلي عن سيطرتها على الكويت، لاسيما وأنها تتفق مع رؤية الرئيس الأميركي (ثيودور روزفلت) الذي وضع في العام 1944 تصوراً من جانبه تتقاسم بموجبه واشنطن مع لندن نفط كل من الكويت والعراق والسعودية وإيران حسب ما ورد في كتاب (سادة الصحراء لمؤلفه جايمس بار). وفي مطلع الصيف عقد نوري السعيد جلسة عاصفة حول هذه المسألة مع (ديفد لويد جورج) رئيس وزراء بريطانيا، في لندن ولم يحصل سوى على تنازلات قليلة، ولم يكن بالإمكان معرفة ما سيتمخض عنه هذا الاندماج المزمع لأن النظام الملكي في العراق أطيح به قبل أن تتواصل المفاوضات إلى مراحل أعمق، وهو الأمر الذي لا يزال يطرح سؤال مهم، وهو لماذا سمحت بريطانيا بسقوط نظام موالي لها بانقلاب عسكري من قبل نفر قليل من ضباط الجيش العراقي صباح يوم 14 تموز 1958؟

نهاية الاتحاد العربي
لم تمر أكثر من 5 أشهر على تأسيس الاتحاد حتى حدث انقلاب 14 يوليو/ تموز 1958 في العراق التي انقلب فيها تشكيل الضباط الأحرار على الملك فيصل الثاني، ليقُتَل الأخير والأسرة الحاكمة ومن ثم السياسي العراقي المخضرم رئيس وزراء الاتحاد نوري السعيد. بعد الانقلاب بيومين وفي 16 يوليو/ تموز 1958 أصدر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية (عبد الكريم قاسم) بيانا أعلن فيه انسحاب جمهورية العراق من الاتحاد العربي الهاشمي، وجاء في بيانه أن "الاتحاد بين العراق والأردن، على الصورة التي تم بها، لم يكن اتحاداً حقيقياً يستهدف مصلحة الشعب في القُطرين، وإنما كان هدفه تدعيم النظام الملكي الفاسد وتمزيق وحدة الصف العربي المتحرر وتحقيق مصالح زمرة من الحاكمين الذين لم يأتوا للحكم عن طريق الشعب ولم يعملوا على تحقيق أمانيه". وللتذكير فأن قاسم لم يقم بأي خطوة اتجاه "وحدة الصف العربي" بل على العكس حارب التوجهات الوحدوية طيلة فترة بقائه في الحكم ونكل بالداعين إلى الوحدة العربية.
يذكر المؤرخ العراقي سيار الجميل في كتاباته أن الاتحاد الهاشمي ولد ولادة غير شرعية ومات ميتة غير شرعية، بحسب تعبيره، معتقدا أن البريطانيين الذين باركوا صناعته أو كانوا وراء تلك الصناعة اعتُبِروا أول من حفر قبراً لمثل هذا الاتحاد.
ويتابع الجميل أن ما جرى في العراق من انقلاب على الملكية لا تزال كثير من تفاصيله غائبة رغم ما كتب تاريخياً عن أن الملك الحسين كان قد أخطر رئيس أركان الجيش العراقي الفريق الركن محمد رفيق عارف بأن انقلاباً وشيكا سيقع في العراق، متسائلاً عما إذا كان بوسع ملك الأردن حينها السفر للعراق لتنبيه ابن عمه الملك العراقي من الانقلاب الذي أطاح بالملكية العراقية ومن ثم بالاتحاد العربي الهاشمي. ما حقيقة ما رواه الملك حسين انه نبّه رئيس اركان الجيش العراقي (محمد رفيق عارف) الى المؤامرة التي كان يعدّها بعض الضباط العراقيين؟ وأن عارف ردّ عليه متحدياً “ان عليه ان يخاف من جيشه هو، لأن الجيش العراقي موال لملكه”. ونفى عارف هذا الكلام! ولماذا لم يبلغ حسين ابن عمه فيصل الثاني مباشرة؟ ولماذا بقي عارف صامتاً طوال حياته، رافضاً الحديث عن الانقلاب؟ ولماذا لم يحاسبه قادة الانقلاب كما حاسبوا جميع اركان النظام السابق، علماً أنه رئيس الاركان وقطعات الجيش التي كانت تحركاتها تحت أمرته قلبت نظام الحكم في العراق؟
وهذا يدفعنا اثارة السؤال التالي: هل دفع نوري السعيد حياته، ونظام الحكم الملكي، ثمناً لمشروعه وإصراره على ضم الكويت الى العراق أو الى الاتحاد العربي؟
"هكذا انتهى الاتحاد العربي الذي جاء في الأساس ردا على الجمهورية العربية المتحدة أكثر مما هو رغبة حقيقية من جانب العراقيين والأردنيين، ولم تمض سنوات طويلة على وحدة سوريا ومصر حتى انهارت الجمهورية العربية المتحدة يوم 28 سبتمبر/أيلول 1961".
أن عمر الاتحاد القصير لم يسمح بتحقيق ميثاقه وأهدافه بسبب التفاعلات الداخلية والخارجية التي أسهمت في إضعاف قدرته على ذلك، ثم إن العراق ومنذ سقوط الملكية مر بحالة من عدم استقرار باستثناء مراحل مؤقتة شكلت انعكاسا كبيرا على أمن المنطقة، وهو ما يؤكد محورية العراق وأثره الإيجابي في تعزيز الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي، حيث إن هذه الخصوصية لا تزال قائمة حتى الآن، فلا استقرار في المنطقة دون تحقيق ذلك في العراق،

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

947 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع