هل مات فيصل مهموما بسبب صراع الساسة على السلطة / الحلقة الثالثة

             

هل مات فيصل مهموما بسبب صراع الساسة على السلطة 1932-1933

الحلقة الثالثة: رشيد عالي يشكل حكومة تجمع الاضداد

  

     

    

الملك فيصل يسعى لان يجمع نوري السعيد وياسين الهاشمي في وزارة واحدة
بتاريخ 15 اذار عاد وكتب السفير انه التقى الملك بتاريخ 14 اذار وقد اعلمه انه لربما يعيد هيكلة الوزارة قريبا. ولقد اقترح بانه سيطلب من رشيد عالي رئيس البلاط الملكي لان يتولى منصب رئاسة الوزارة وانه يأمل ان تتألف الوزارة من نوري للخارجية وياسين للمالية ورستم حيدر للاقتصاد والمواصلات وناجي شوكت او حكمت سليمان للداخلية ونصرت الفارسي للعدلية وان كرديا وشيعيا ايضا سيتم اضافتهما لإشغال الدفاع والمعارف. ولقد كرر الملك تطميناته من ان الوزارة الجديدة لن تحدث اي تغيير في السياسة القائمة واضاف ان نوري وياسين قد وافقا وبحضورهما امامه بانهما سيدفنان احقاد الماضي. وكان نوري قد اكد كل ما تقدم في لقاء بينه والسفير ولكنه استمر يخشى من ان المصالحة والتوافق مع ياسين ليس سوى غسل للعين.
وبتاريخ 18 اذار ابرق السفير قائلا انه وبتاريخ 16 اذار وقبل الاعلان الرسمي لتشكيل حكومة رشيد عالي وخلال مناقشة البرلمان لخطاب العرش وقف ياسين الهاشمي مطالبا الحكومة لآجل ان تعمل لان تحصل من الحكومة البريطانية على تعديل لاتفاقية 1930 مشيرا وعلى وجه الخصوص الى الالتزامات المالية وتواجد القوة الجوية البريطانية، والادارة المشتركة والتي بافتراض يقصد بها المستشارين البريطانيين. رئيس الوزراء دافع عن الاتفاقية وعن سياسة حكومته. ومن طرف السفير فقد سارع للتحاور مع الملك عن موقف ياسين هذا وفعلا التقى الملك ودخل معه في حوار طويل قال فيه ان كنت نفذت ما كنت تتطلع اليه وقبلت استقالة الحكومة وتعيين حكومة جديدة تظم ياسين وزيرا للمالية فان الانطباع ومن دون شك يبدو بان هنالك سياسة جديدة يجري التنبؤ بقيامها. الملك من طرفه شدد في كلامه مع السفير على عدم وجود هكذا توجه سياسي جديد وليس ذلك في خلده واضاف قائلا ان الحكومة الجديدة التي اقترحها ستكون موالية وستقبل بالاتفاقية بوصفها اساسا للعلاقات البريطانية – العراقية. لا قيمة لما قاله ياسين عندما كان هو في المعارضة وانه سوف يتخلى عن ومواقفه هذه عند التحاقه بالحكومة. واوضح السفير لحكومته ان الحكومة ستقدم استقالتها بتاريخ 18 اذار وان الحكومة الجديدة ستشكل في اليوم التالي وانه قد ضغط على الملك كي يكون متأكدا من ان سياسة واضحة ومعلنة يتوجب ان تتم نيابة عن الوزارة كي تزيل الشكوك التي من المؤكد ستنشأ من خلال هذه الاجراءات غير العادية. وان الملك قد كرر ذات التطمينات التي كان يكررها وهي ان الوزارة الجديدة ستتبع ذات السياسة التي سبقتها بها الحكومتين السابقة وهما حكومة نوري باشا وحكومة ناجي شوكت.

بتاريخ20 اذار ابرقت السفارة الى لندن مبلغة ايها انه في 9 اذار 1933 استقالت حكومة ناجي شوكت وشكل رشيد عالي الكيلاني وزارة جديدة ضمت نوري السعيد للخارجية، وياسين الهاشمي للمالية، ورستم حيدر للاقتصاد، وحكمت سليمان للداخلية، وجلال بابان للدفاع، ومحمد زكي للعدلية والسيد محمد مهدي للمعارف. ولقد رفض ناجي شوكت ان يشارك فيها لأنه وكما ابلغ السفير بانه يرى ان الملك قد خدعه عندما طلب منه تقديم الاستقالة. المهم مع تشكيل الحكومة الجديدة فقد ارسل الملك تطميناته للسفير البريطاني ومن خلال رسالة خطية يطمئنه بان الحكومة الجديدة سوف تعمل لتعزيز علاقات الصداقة القائمة مع بريطانيا وعلى الاسس المثبتة في اتفاقية 1930.

الحكومة الجديدة اوضحت في البرلمان وفي بيان لها بتاريخ 27 اذار طبيعة سياستها وكانت اهم النقاط تعزيز العلاقات الجيدة مع الدول الاجنبية واحترام التعهدات الدولية . مثل هذا النص جاء بديلا عن النص مباشرة الى الاتفاقية مثلما كانت السفارة تريده وتصر عليه . ايضا نص البرنامج ان تسعى الحكومة لتحقيق تطلعات الشعب وهذا يعني وبشكل مباشر ان من بين تطلعات الشعب تحقيق المزيد من الحرية وتعديل الاتفاقية والتخلص من النفوذ البريطاني . وايضا جاء في البرنامج ان تمنح الحكومة العراقيين المسؤولية وتشريع قانون الخدمة الوطنية. وكانت الحكومة قد استقالت لمرتين خلال النصف الثاني من اذار بسبب الخلافات مع الملك ولكن تم اقناعها للبقاء.

                                 

السفير البريطاني يتخوف من مطالب المعارضة لتعديل اتفاقية 1930
ما ورد في البرنامج الحكومي فيما يخص اتفاقية 1930 هو في الواقع كان نصا معدلا اذ كان الملك ووزير الخارجية والسفير قد التقوا من قبل ان تعلن الحكومة برنامجها وكانت مسودة البرنامج الحكومي تتضمن اشارة حول امكانية تعديل المعاهدة ولكن السفير قد اصر على ان ذلك امرا مرفوضا ومن شانه ان يضر بسمعة العراق خارجيا. ولقد تمكن السفير من اقناع الملك بان تحقيق الثقة بالعراق يعد امرا ضروريا وان على الدولة الجديدة بين الدول الاجنبية الاخرى ان تمنح الانطباع بان العراق عازم ويحترم تعهداته الدولية وبالتالي تمكن السفير في النهاية من اقناع الملك بحذف اي اقتراح مباشر من ان الحكومة الجديدة ستعمل لتعديل الاتفاقية. ولقد قام السفير بتذكير الملك بان موضوع دخول العراق الى عصبة الامم قبل ستة اشهر كان نتيجة لهذه الاتفاقية وهي اتفاقية يتوجب ان تستمر بوصفها تشكل اساس العلاقات العراقية – البريطانية.

وكان السفير قد كتب بتاريخ 3 نيسان الى لندن يعلمها بالتطورات التي كانت تشهدها بغداد موضحا انه بتاريخ 17 نيسان كانت الصحافة العراقية قد نشرت النقاش الذي تم في البرلمان حول خطاب العرش الذي وقع في اليوم السابق. ولقد تابع السفير ما تحدث به ياسين الهاشمي واخرون خلال الجلسة ومحاجاتهم الحكومة لان تعمل من اجل تعديل اتفاقية 1930. وما وجهوه من نقد لها ولكونهم يرون ان الاتفاقية ليست عادلة .وذكر السفير بما انه مطلع على ان الملك ينوي تشكيل حكومة جديدة وتعيين الهاشمي وزيرا للمالية فيها فقد شعر انه من الضروري ان يحذر الملك من خطورة اي تعديل على الاتفاقية من بعد ما جرى من حديث في جلسة البرلمان. لهذا طلب السفير ان يكون له لقاء مستعجل مع الملك وفعلا تم اللقاء الذي استغرق ثلاث ساعات.
اللقاء الخاص بين فيصل والسير همفري
افتتح السفير حواره مع الملك مذكرا اياه بالحوارات السابقة التي جرت مؤخرا بينها وما عرضه الملك من رغبة لتشكيل حكومة جديدة وكيف انه استقبل ارتيابي بشان ضم ياسين اليها بان طمئنني بان معارضة هذا الاخير للمعاهدة هي ناجمة عن خلافاته الشخصية مع نوري باشا وهو اي ياسين وهو لربما ليس لديه معارضة حقيقية لمضامين ومحتوى المعاهدة. ولقد طلب الملك مني لان اثق بان هذه الخلافات الشخصية قد باتت من الماضي الان وانه ليس هنالك احد في الحياة العامة لديه الرغبة ان يغير الاساس الذي تقوم عليه العلاقات العراقية – البريطانية نتيجة لهذه الاتفاقية.
ولقد قلت لقد كانت مفاجئة كبيرة لي ان ارى خلال النقاش حول خطاب العرش ياسين باشا ومن يشاركوه يضغطون على الحكومة لان تنتهز الفرصة لآجل ان تعدل المعاهدة والتي وبوضوح قد وصفوها بانها ظالمة وغير عادلة وتتعارض مع استقلال العراق. ولقد اضفت بانني قد شعرت انه من الضروري لان احذر جلالة الملك فيصل بانه ومن بعد هكذا نقاش ان كانت حكومة ناجي شوكت عليها ان تستقيل وان حكومة جديدة يتوجب ان تشكل وتضم ياسين والاخرين ممن هم معروفين تماما انهم يخضعون لنفوذه فان ما سيتم استنتاجه وبشكل طبيعي ومنطقي سواء من طرف حكومة صاحب الجلالة البريطانية ومن طرف العالم الخارجي من ان تغيير في الحكومة العراقية يؤشر حصول تغيير في السياسة ازاء بريطانيا.

من طرف الملك فد بادر بالرد مقترحا بان التقرير الذي كنت من طرفي قد اطلعت عليه وما قد كان ياسين قد قاله في البرلمان في اليوم السابق من المحتمل ليس بالضرورة كله صحيح، ومن طرف جلالته قدم نسخة من الصحيفة اليومية المسماة اللقاء الوطني وفيها تقرير عن خطاب ياسين وقد حذف منه المطالب بتعديل الاتفاقية ولقد اقترح ان هذه الصحيفة بوصفها قد كانت هي الصحيفة التابعة اصلا الى الحزب الذي كان ياسين باشا يقوده وان هذه النسخة من خطابه يتوجب ان تقبل بوصفها النسخة الحقيقية. لقد وصفت الضعف القائم في هكذا محاجاة من خلال افهام الملك بان رؤى ياسين للاتفاقية كانت قد تم نشرها في جميع الصحف الاخرى والتي من بينها صحيفتين رؤساء تحريرها انفسهم نوابا وكانوا حاضرين خلال الحوار داخل البرلمان. اضافة لذلك رئيس الوزراء والذي كان قد تحدث من بعد ياسين كان قد دافع ان وجهات نظر حكومته اتجاه الاتفاقية وكان ليس بضروري عليه ان يقوم بذلك من جانبه. من بعد ذلك تراجع الملك فيصل عن مقترحه من ان ما نقل عن خطاب ياسين لم يكن دقيقا. وذهب باتجاه القول ان كانت الكلمات التي قالها ياسين فعليا فانه لا يزال يتحدث بوصفه عضوا في المعارضة وانه معروفا في العراق بانه ليس على السياسي ان يلتزم عندما يكون في الحكومة بما كان يقوله ويدافع عنه عندما يكون في المعارضة. اذا ما التحق ياسين في الحكومة الجديدة فان عليه ان يتخلى عن معارضته للاتفاقية ومثلما يتخلى عن المعطف القديم. لقد قدم ياسين تعهدا رسميا لان يعمل بانسجام مع زملاءه في الحكومة وان تراجع ونقض ما قاله عندها فانه سيفقد مصداقيته وان عليه وقتها ان يرحل. وفي كل الاحوال فانه سيكون الشخص الوحيد بين ثمانية وان عليه ان يتفق مع رغبات رئيس الوزراء وبقية الوزراء. اضافة لذلك فان العلاقات الخارجية ستكون بيد نوري باشا الرجل الذي هو تحديدا من وقع اتفاقية 1930. وبالتأكيد ان هذه الحقيقة هي كافية لان تعبر ان الحكومة الجديدة بمجملها تؤمن بان علاقات العراق مع بريطانية وبقية الدول الاجنبية الاخرى يتوجب ان تتبع ذات السياسات التي كانت عليها حكومات نوري وناجي شوكت.

الملك فيصل: في العراق رجال بوسعهم تغيير مواقفهم حالما يتولون المناصب
لقد تناول جلالة الملك ما اوضحته عن استقالة رئيس الوزراء من بعد ما جرى مؤخرا من نقاش في البرلمان وتعين حكومة جديدة ضمت وبشكل كبير عدد من الوزراء هم ممن مستمرين في معارضتهم لاتفاقية 1930 وهؤلاء سيخلقون الحيرة في الاوساط البريطانية. لقد طلب الملك مني ان انقل الى حكومتي بالغ التطمينات من ان هذه التغيرات الواقعة من شأنها لن تحدث وباي شكل من الاشكال اي تغييرات على السياسة اتجاه بريطانيا العظمى ولقد ترجاني لان اشدد بان لا نعطي للموضوع اهمية لما قاله ياسين باشا من وجهات نظر وغيره فيما يخص الاتفاقية. ما دام في العراق رجال بوسعهم ان يغيروا وجهات نظرهم عندما يتولون المنصب ويباشرون بشكل حقيقي المسؤولية.
في هذه المرحلة من الحوار اقترح الملك بان نوري يتوجب عليه ان ينظم الينا بوصفه الرجل الذي علي ان اتعامل معه عندما الحكومة الجديدة سيتم تشكيلها. من بعد ذلك حضر نوري باشا وبقي معنا لما تبقى من المقابلة. بدفع من طرف الملك فانه قد دعم وجهة نظر الملك من ان ما كان قد قاله ياسين قبل ان يصبح وزيرا لن تكون له عواقبه ولكن اقر بانه اذا ما انتقد الاتفاقية وهو في منصبه وزيرا فان من شان ذلك ان يكون موضوعا مختلفا.
مسعى فيصل لرجال قادرين على حكم العراق
من طرف السفير تحدث كثيرا مع الملك ونوري معربا عن اسفه ومخاوفه من الكلام الذي يطلقه السياسيين العراقيين ضد الاتفاقية وبنفس الوقت وجه اللوم للملك لعدم استماعه لتحذيراته. هنا دخل الملك في لحظات من العاطفة جعله يندب حاله لأنه بات ملكا على بلاد مثل العراق الذي من جهة يجعله يعاني من لطمات الشعب ومن جهة اخرى لطمات ممثل حكومة صاحب الجلالة البريطانية. اما السفير فقد فسر مساعي الملك بجمع الرجال ممن يختلفون في مواقفهم مع بعضهم بان الملك قد اراد رؤية الرجال في بلاده حقا بوسعهم ممارسة الحكم بأنفسهم. ولكن ما حصل فعلا هو انه في السنوات الثلاثة الاخيرة كانت الحكومات دكتاتورية وبيد ثلاثة رجال هم نوري ورستم حيدر والملك. وان مثل هكذا امر ليس بالوسع ان يستمر لوقت مفتوح ولذلك فان الملك قرر ان ينحى منحى تجربة تشكيل حكومة تظم افضل الرجال المتوافرين ويختبر مدى مناسبتهم لإدارة البلاد. من طرف السفير فقد انتقد خطط الملك ولكنه استمر مؤمنا بان افكاره هي جيدة ولم يكن امامه سوى ان يعيد تقديم التطمينات السابقة التي قدمها. من طرف السفير استمر يحذر الملك ذات التحذيرات التي قدمها من قبل بشان الخطوات التي اقترح ان يسير عليها وايضا عبر السفير عن عدم رضاه عما يمكن ان تسفر عنه مساعي الملك فيما بعد.

          

حكومة حزب الاخاء
بتاريخ 19 اذار قدمت حكومة ناجي شوكت استقالتها وفي اليوم التالي صدرت الارادة الملكية بتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة رشيد علي الكيلاني وتولي الهاشمي حقيبة المالية ونوري الخارجية والاقتصاد والمواصلات منحت الى رستم حيدر بينما منحت الداخلية الى حكمت سليمان والدفاع الى جلال بابان والعدلية الى محمد زكي بيك والتربية الى سيد محمد مهدي. وهكذا نجد ان حزب الاخاء قد تمثل بالوزارة من خلال ياسين وسليمان ومحمد مهدي ومحمد زكي . وهو الحزب وبشكل مستمر كان يعلن مواقفه وسياسته المطالبة بتعديل اتفاقية 1930 علما ان حكمت سليمان كان قبل ذلك من الداعمين الاقوياء لحكومة عبد المحسن بيك ولهذا كان السفير يرى فيه بانه ليس بالضرورة ممن حقا وبعمق يدعم ياسين باشا او ما يطرحه. بينما نوري باشا ورستم حيدر فهما بوسعهما ان يعملا معا بينما وبرغم ان رئيس الوزراء الكيلاني هو عضو في حب ياسين غير ان هنالك دلالات بكونه من رجال الملك وبانه سوف يسترشد بما يمليه عليه البلاط. اما ناجي شوكت والذي لم يدرك والى اللحظة الاخيرة بانه كان عليه ان يضحى به لآجل رشيد عالي فانه قد استقال وعلى امل ان يتم تقوية وزارته وبالتالي هو الان يشعر بانه قد تم خداعه ولهذا قد رفض قبول اي حقيبة.
الملك والسفير يتبادلان رسائل سرية
مرة اخرى تناول الملك العشاء منفردا مع السفير بتاريخ 19 اذار خلاله عاد وردد ذات التطمينات بكون الحكومة الجديدة ملتزمة بالتعهدات ذات الصلة ومعاهدة 1930. وقد ارسل في صباح اليوم التالي المصادف 20 اذار برسالة الى السير همفري فيما يلي اهم ما ورد فيها.
20 اذار
سري وشخصي
عزيزي السيد همفري
خلال محادثاتي معكم في الايام القليلة الماضية فإنني قد وجدتك غير سعيد بسبب من الشكوك التي لعلها قد برزت في الدوائر السياسية وفي الصحافة البريطانية حول التغيير الذي حصل في الحكومة، ولأنكم قد خشيتم من ان هذا التغيير لعله يعد كبداية لمقدمات لتغيير من نوع ما في سياسة الحكومة العراقية باتجاه المعاهدة التي تقوم عليها اسس علاقات الصداقة الحالية ما بين بلدينا.
لهذا السبب انني اوكد بانني قد اعلمتكم من قبل شفويا من ان هذا التغيير يتضمن تقديم اشخاص ممن هم في المعارضة الى وضع بموجبه يكونون مسؤولين عن عدم الاضرار بعلاقات الصداقة بيننا ولكن ايضا بتقريب الصفوف والتركيز على المساعي باتجاه تقوية علاقات الصداقة بيننا والتي تتمحور حول اتفاقية التحالف وان يستخدموا كل عناصر التعاون لتحقيق اهدافنا التي تهدف لتحقيق التطور الاقتصادي للعراق وتعزيز علاقات الصداقة بين بلدنا ومع حليفتنا بريطانيا العظمى. ان مثل هذا سيتم اثباته لكم فعلا في جميع الاقوال والافعال من طرف الحكومة وبأقصر وقت ممكن.
صديكم
فيصل
ولقد رد السفير فرانسيس همفري برسالة مقابلة ورد فيها:
21 اذار 1933
من السير فرانسيس همفري الى الملك فيصل
سري وشخصي
انني شديد الامتنان لرسالتكم السرية والشخصية التي استلمتها من جلالتكم امس والتي تضمنت تطمينات بشان ما كرره جلالتكم بصدد الحكومة الجديدة التي تشكلت ومن انها ستستمر تعمل على وفق الاسس التي وردت في اتفاقية التحالف لسنة 1930.
ما تفضل به جلالتكم هو طيب وكاف ليطمئنني بان المساعي الحميدة للحكومة الجديدة اتجاه بريطانيا العظمى سوف يتم تقديمها وبوضوح وفي اقرب وقت سواء بالأعمال وايضا بالأقوال.
انني اقدر وبشدة هذا التأكيد الذي جلالتكم دوما كان يعلمني به في حواراتنا الخاصة، وانني مخلصا اثق بانه من المفيد التباحث معهم بصدد موضوعات عديدة مهمة تتصل وتنفيذ معاهدة التحالف التي هي لا تزال قائمة. من طرفي سأسعى لان اجد الادلة الواضحة عن روح التعاون الودي التي جلالتكم واثقا ان الوزارة الجديدة تتبعها.
المخلص دوما
فرانسيس همفري
فيصل يلقي خطاب العرش (8 اذار 1933)
بتاريخ 21 اذار كان قد كتب السفير الى حكومته مبلغا اياها فحوى خطاب العرش الذي القاه الملك بمناسبة افتتاح البرلمان الجديد اولى جلساته بتاريخ 8 اذار موضحا ان الاحتفالية جرت على وفق ما هو معروف وقد حضر الجلسة حشد كبير من الضباط العراقيين والبريطانيين وموظفي الدولة الكبار والسفير البريطاني وجميع اعضاء البعثات الدبلوماسية والقناصل المعتمدين. النواب بعضهم حضر مرتديا الملابس العصرية المخصصة لأغراض ارتدائها صباحا وفي المقابل حضر اخرين بملابسهم العربية والكردية المتعارف عليها ولهذا كان هنالك من يرتدي السدارة واخرون العقال واخرون بدو وهم برداء الافندية واخرون معممين بعمائم خضر وبيضاء ممن يرتديها الملالي والسادة بينما كان اخرون يرتدون القبعات التي تمثل اخر موضة قادمة من لندن. الملك وصل الساعة 10 صباحا برفقته الامير غازي وعدد من المرافقين من الضباط وقد استقبله في مدخل قاعة البرلمان رئيس الوزراء وبقية اعضاء الوزارة وقد استقبله حرس الشرف والموسيقى العسكرية التي عزفت السلام الملكي وكان رئيس التشريفات تحسين قدري قد اعلن رسميا وصول الملك الى مجلسي الاعيان والبرلمان.
خطاب الملك ومن بين امور عديدة تضمن بان علاقات العراق مع الدول الاجنبية وعلى وجه الخصوص دول الجوار هي جيدة وان الحكومة ماضية لان تعزز العلاقات معها. وانه قد تلقى وبسرور كبير دعوة الملك جورج لزيارة بريطانيا في الصيف القادم وان هذه الدعوة ليست سوى نتيجة لعقد اتفاقية التحالف بين البلدين وهي دليل اخر يثبت حجم الصداقة الوثيقة بين البلدين.
اللقاءات السرية بين ياسين الهاشمي والسفير همفري
العلاقات السيئة بين ياسين باشا والسفارة البريطانية اخذت تتغير تدريجيا. بتاريخ 10 نيسان كتب السير همفري برسالة مطولة الى وزير الخارجية ذكر فيها انه التقى بياسين الهاشمي قبل ثلاثة ايام خلت وخلال اللقاء حاول ان يشرح للسفير حقيقة وضعه في الوزارة الجديدة وموقفه اتجاه العديد من الموضوعات المهمة التي عليه وزملاءه ان يتعاملوا معها.
ولقد ذكر السفير في رسالته من بعد اللقاء انه يشعر وفي اطار ما كشف عنه ياسين من رؤى له بانه قد تكلم بصدق ووضوح واضاف قائلا ، "انني اشعر بان كلامنا قد تسبب في تحسين الاجواء بين الطرفين . وجهات نظره عن الاحكام العامة للاتفاقية هي ذكية ومقبولة وان شكوكه بصدد المزايا العامة لمشروع مؤسسة السكك هي وكما اعرف يشارك فيها والى حد معين من طرف جهات عديدة هي متشككة بسبب كرهها للإنكليز (Anglophobia)".

واضاف مهما كانت الكلمات التي عبر عنها بشان خطاب العرش فإنني اميل للاعتقاد انه قد قال الحقيقة لما يتطلع له ويهتم به. لقد انتقد الاتفاقية نفسها ولا يزال هنالك الكثير من الشروط التي افرط بترديدها انصار نوري حول طبيعة استقلال العراق وانه الان وبينما هو مستعد ليعمل وسعه لآجل العراق ان يتخلص من الاتفاقية فانه لن يتنصل علنا عن موقفه الذي اتخذه في المعارضة وهي مجرد نقاط تؤشر على الطريق باتجاه تحرر بلاده من السيطرة الاجنبية. اضافة الى ذلك ان ياسين لا يثق بالملك وهو يشك بأهداف الملك وسعيه بإعادته الى منصبه الوزاري. لقد شاهد ياسين اكثر من رجل ممن يتمتع بسمعة وسيرة معروفة وطنيا ممن فقد مصداقيته وافلس وذلك بسبب كونه قد ترك اصدقائه وخرب علاقاته من اجل رغبات البلاط المتقلبة وانه ليس لديه الرغبة بان يسير بذات الطريق الذي سار عليه هذا النوع من الرجال. هو لذلك يعزز مكانته وسمعته وان يجمع معا انصاره ولهذا وان كان ضروريا لعله وبطريقة امنة ينسحب من الوزارة ليكون في المعارضة من دون ان يخسر نفوذه وسمعته.
لدي تجربتي مع ياسين عندما كان عضوا في الوزارة في 1929-1930 عندما كان وزيرا للمالية في حكومة ناجي شوكت. في ذلك الوقت كان مهيمنا على الوزارة وانه وبناء على اصراره تم خفض اعداد المستشارين البريطانيين العاملين في الحكومة العراقية وبشكل كبير، وايضا كان المسؤول عن سقوط حكومة ناجي السويدي. قبل وقت قليل من وصولي الى بغداد فقد كان من وجهة نظر سلفي كان قد اغضب رئيس الوزراء السابق عبد المحسن بيك لان ينتحر وذلك من خلال محاججته لان يتبنى برنامجا وطنيا متطرفا في مساراته. انا شخصيا ميال للاعتقاد بان سنتين ونصف في المعارضة جعلته معتقا في وجهات نظره وانه ليس بجاحد مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية ودورها الناجح في تزكية العراق لعضوية عصبة الامم عام 1932 وانني اؤمن ان السبب الرئيس لاعتراضه ضد معاهدة 1930 يمكن ان نجدها من خلال حقيقة كونها قد تمت مناقشتها من طرف الملك ومستشاريه المخلصين والحميمين نوري وجعفر باشا ورستم حيدر ومن دون مساعدته. وبينما انا لا اشك بانه سوف يستمر بالسيطرة على الحكومة وانه سوف وبعناد يقف لما يشعر انه من مصلحة حقوق العراق، فانه ومن تلقاء نفسه سيقرر ان يتجه لان يطلب مشورتي بطريقة خاصة ومنفردة ان كانت الامور تتجه باتجاه خاطئ وان هنالك اشارة امل بانه قد بات يصبح معتدلا في وجهات نظره المتطرفة. المشكلة الاساسية انني اتوقع وهو تخوف ياسين يشاركني فيه ايضا وكذلك نوري وهو هل ان الحكومة الجديدة التي ضمت رجالا من ذوي المواقف المستقلة وايضا ممن لديهم مواقف معارضة بوسعها ان تستمر على حالة السلام القائم بينهم والملك وتجنب الخلافات بينهم.
محضر اللقاء السري بين ياسين الهاشمي والسفير البريطاني (22 اذار 1933)
من جانب السير فرانسيس همفري وثق منفردا محضر لقاءه مع ياسين وهو محضر مهم جدا من الناحية التاريخية لمن هو مهتم بسيرة ياسين الهاشمي ومن المؤسف لم يستخدم من طرف الباحثين. وعلى اية حال وكما يبدو ان ياسين هو من طلب ان يلتقي السفير وقد حصل اللقاء بتاريخ 22 اذار واستمر لحوالي ساعتين.

وقد ابتداء بالقول انه يرغب بتبديد سوء الفهم الذي ظهر فيما يخص كلمته التي القاها في مجلس النواب بشان الاتفاقية بتاريخ 16 اذار عندما هاجم نوري السعيد رئيس الوزارة السابقة. ولقد ذكر انه قد تم نقل ما قاله بطريقة خاطئة من طرف بعض الصحف البغدادية. انه حقا قد انتقد سلبا الاتفاق المالي الموقع من طرف نوري باشا ومعي (سير همفري) في لندن في شهر اي 1930 والذي تمت المصادقة عليه مع الاتفاقية. ان هذا لا يعني وعلى اية حال انه لديه اي توجه باتجاه التحريض لآجل تعديل الاتفاق المالي لكونه يدرك بان قبوله لمنصبه الوزاري في الحكومة الجديدة تعني ضمنيا انه موافقا للسياسة التي يمارسها زملاءه في الوزارة. وردا على سؤال لي عن ما هي سياسة الوزارة فانه رد بتوصيفها بانها ذاتها التي سيعلن عنها رئيس الوزراء في خطابه قريبا. ولقد قال انه متأكدا بان معاهدة 1930 وملحقاتها ومن بعد ان تمت المصادقة عليها من قبل البرلمان في كلا البلدين فقد اصبحت التزاما دوليا يتوجب احترامه والتمسك به من كلا الطرفين، ولكنه يأمل ان استمر في منصبه بان تتاح له الفرصة فيما بعد لان يتصل بي بشكل مباشر او غير مباشر لآجل ان يتم اجراء تعديل بعض الشروط في الاتفاقية والتي تختص بشكل خاص وموضوع السكك الحديدة العراقية. لقد اعترف بان الترتيبات التي اتفق عليها مؤخرا لن يمكن تغييرها سوى من خلال التشاور المشترك، ولكنه يأمل بان حكومتي بوسعها ان تظهر كرمها في الموضوع الذي العراقيين جميعا يحملون عنه افكار ووجهات نظر قوية.
من طرفي فقد ذكرت ياسين بان الاتفاق حول موضوع السكك كان قد استند على التوصيات التي قدمها السير هلتون يونك والذي كان واحد من افضل الخبراء وقتها وكان قد زار العراق لمرتين خلال السنوات القليلة الماضية لآجل ان يقدم النصائح بشان المسائل المالية. المشروع الذي تم ادراجه في الاتفاقية تضمن انشاء هيئة قانونية والتي اعمالها يمكن ان تكون طرفا في تشكيل هيئة قانونية للسكك الحديدية. مثل هذه الهيئة يتوجب ان تؤسس من خلال اتفاق بين الحكومتين. ولحين ان يتم تمرير هذا القانون وايضا لحين المشروع الذي اوصى به السير هلتون يونك يتم تنفيذه فانه من الواضح يعد امرا غير معقولا ان يتم مناقشة اي ترتيبات اخرى. واذا ما كان اخفق المشروع من بعد منحه الفرصة الكافية عندها يتوجب على الحكومتين لان تقترح شيء جديد. لقد طمأنته ان الرغبة العميقة لدى الحكومة البريطانية ان تسلم تماما الى الحكومة العراقية نظاما ممتازا للسكك الحديدية وبسعر ليس بكبير ولكن ايضا ان يكون بوسع العراقيين ان يديرونها بأنفسهم باقل مساعدة من الخبراء الاجانب وحالما يكون العراقيين قد تم تدريبهم لآجل ذلك. وانني اشعر ومتأكدا بانه أي ياسين يوافق من ان مصلحة بلاده تتطلب ان يتم تسليم ادارة السكك الحديدية اليها وهي بيد الخبراء عندما يأتي الوقت المناسب.
من بعد ذلك ناقشنا وبسرعة ما يتعلق بميناء البصرة وفيما يتعلق بإدارته ولم يكن لدى ياسين اعتراضات مهمة كي يناقشها. ومن بعد سألته ان كان حقا قد قال في البرلمان من ان وجود اسراب الطيران البريطاني في العراق يتعارض مع استقلال البلاد. لقد رد ياسين متهربا بانه دوما لديه وجهة نظر ان اتفاقية 1930 لم تمنح العراق الاستقلال التام. وانه لا يرغب الخوض في النقاش بان الاستقلال الاتم هو ممكننا ونافعا في الاحوال الحاضرة ولكن يؤلمه ان يسمع رجال الدولة مثل نوري السعيد يؤكد امام الناس من ان العراق قد بات الان دولة مستقلة تماما. ولقد سالته وبشكل مباشر ان كان يفضل معاهدة تحالف معنا او انه مع معاهدة عادية للصداقة فقط. هنا قال ياسين وبشكل قاطع ان اتفاقية تحالف هي ضرورية للعراق ولغاية ان يكون العراق قويا كفاية وقادرا للدفاع عن نفسه من دون مساعدة خارجية. وان هذا سيحتاج الى سنوات عديدة كي تتمكن البلاد من تجعل من الجيش يصل الى مستوى بموجبه يكون قادرا لتحقيق ذلك وفي هذا الاثناء فانه يفضل تحالفا مع بريطانيا دون اي قوة اخرى. ولقد قال ان تاريخ بريطانيا في العراق كان سخيا وبشكل لا يمكن قياسه مقارنة مع اي دولة عظمى اخرى كان يمكن ان تقدمه وانه هو شخصيا وأصدقاءه مستعدون للعمل وبتعاون وثيق مع بريطانيا لآجل تحقيق المزيد لتطوير مصالح البلدين.
واذا ما عرفنا ان ياسين باشا قد ربط نفسه بشكل وثيق من مؤتمر القومية العربية، فإنني حذرته بان من واجب الزعماء العراقيين ان يعملوا في السنوات المقبلة في ان يبقوا اعينهم على المسائل والشؤون الداخلية بدلا من ان يقحموا انفسهم في شؤون جيرانهم. وانني ارى ان افضل طريقة لآجل مساعدة اشقائهم في سوريا هو ان يعملوا من اجل نجاح تجربة الحكم في العراق من قبل اهله وبأنفسهم بينما التحريض ضد فرنسا لن ينجم عنه سوى الاذى. وافق ياسين بان الحكومة الجديدة يتوجب ان تهتم وبشكل اساسي بالتطورات الداخلية ولكنه اضاف انه تماما ان موديل عراقي جيد لعله يشكل نموذج لسوريا، وانه مقتنع ان الحكومة الفرنسية ليس لديها اهتمام من اي نوع ما لتطبيق سياسة لبرالية في سوريا.
لقد انهيت المقابلة بتكرار ان معاهدة 1930 يجب ان تبقى الاساس للعلاقات بين البلدين وانني وبجدية امل بان الحكومة الجديدة وهي تتألف من عناصر هي حتى الان لديها تجربتها وان تؤدي عملها معا من دون ان تحيط بهم الغيرة فيما بينهم وان يعملوا لآجل مصلحة البلاد. من جانب ياسين شكرني لاستقباله وبهذه الطريقة والروح الودية ووعدني بانه سيعمل على وفق الخطوط التي تحدثت بها من طرفي. ولقد اضاف بانه قبل المنصب الوزاري من بعد تردد كبير وانه من دون شك ان حكومة برجال اقوياء ينتمون للعديد من الاحزاب وفي ان يكونوا قادرين ان يعملوا وبانسجام معا ولفترة طويلة. ولقد ذكر بانه يرغب ان يلتقي معي مرة اخرى بطريقة منفردة ان وجد في الامور تسير مسارا خاطئا.

للراغبين الأطلاع على الحلقة السابقة:

https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/fereboaliraq/36182-2018-07-03-17-56-42.html

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

581 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع