في ذكرى تأسيس المملكة العراقية.. الرموز والتوجهات

                  

في ذكرى تأسيس المملكة العراقية..  الرموز والتوجهات / الجزء الأول

     

إعادة السير كوكس من طهران لمعرفته بأحوال النخب الإجتماعية

المقدمة

بغداد - الزمان/ علي العكيدي:كانت الفترة اللاحقة لنهاية الحرب العالمية الاولى 1914-1918 م فترة زاخرة بالحوادث السياسية على مستوى المنطقة ، اي منطقة الشرق الاوسط ولاسيما ما يتعلق بمصير الدول العربية ومنها مصر ودول المغرب العربي، والتي كانت سابقا ضمن النشاطات السياسية والعسكرية العثمانية ،اما ما يتعلق بالعراق فقد شهدت أرضه خلال الحرب صراعا عسكريا داميا بين العثمانيين والانكليز الذين دخلوا البصرة أولا ثم بغداد ثم الموصل ،حيث تم احتلال العراق بولاياته الثلاث خلال مدة الحرب التي بدأت عام 1914 انتهت عام 1918م، وبذلك دخل العراق في حياة سياسية واجتماعية واقتصادية اختلفت تماما عما كان عليه الأمر قبل ذلك التاريخ، وبذلك  تحول العراق بعد مدة وجيزة من ولايات ثلاث  تابعة لإمبراطورية بدأت تضعف وتتراجع،الى مملكة يقودها ملك مقيد  بدستور وضعه ساسة العراق بالتعاون مع الانكليز عام 1924م.

استمرت المملكة العراقية  قائمة تؤدي واجباتها تجاه الشعب من جهة وتجاه العالم الخارجي من جهة أخرى، لمدة (37) عاماً سبعة وثلاثون عاما استلمت الحكم السياسي خلاله (57) سبعة وخمسون حكومة ،بدأ من حكومة عبد الرحمن النقيب الثانية التي باشرت اعمالها  يوم 12 ايلول  1921م بعد تولي الملك فيصل الأول رحمه عرش العراق في 23| 8| 1921م وانتهاء بحكومة احمد مختار بابان التي باشرت اعمالها في 8مايس 1958 وانتهت يوم 14تموز 1958 أثر ثورة تموز الخالدة التي قادها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم واخوانه من الضباط الاحرار.

عملت الحكومات اعلاه وفق نظام سياسي ديمقراطي  تعامل مع موضوع السلطة بطريقة التبادل السلمي وكان رئيس الوزراء هو القائد الفعلي للحكومة،اما الملك فقد كان ملكا يسود،اي سيدا للبلاد ولكنه لا يحكم كون الحكومة منتخبة من قبل الشعب الذي كان ينتخب البرلمان الذي يكلف بدوره رئيس الوزراء بتشكيل حكومة وبأمر مباشر من جلالة الملك.

                  

مر على البلاد خلال المدة اعلاه من 23-8-1921م الى يوم 14-تموز 1958 ثلاث ملوك هم الملك المرحوم فيصل الاول ثم ولده الملك المرحوم غازي وبعد استشهاد الملك غازي عام 1939م اصبح ولده الملك فيصل الثاني،الذي كان طفلا حينذاك فأناب عنه خاله بتسنمه مهام الملك كوصي للعراق من عام 1939 الى عام 1952 حيث بلغ الملك فيصل الثاني سن الرشد.

                                           

اما ما يتعلق بسياسي العراق فقد قاد العراق نخبة من السياسيين جُلهم كانوا من الضباط الاقوياء والاذكياء الذين عملوا في الجيش العثماني فضلا عن سياسيين أخرين من خريجي مدرسة الحقوق او غيرها فكانوا بحق رجالا رغم اتهام الجمهوريين لهم بالعمالة للإنكليز الا ان بحقيقتهم كانوا وطنيين بطريقة لم يقتنع بها الجمهوريون وقتها حيث استطاعوا تأسيس مملكة  بلغ عمرها سبع وثلاثون عاما كان  لها تأثير كبير في الساحتين العربية والدولية وسنتكلم هنا بشكل مختصر عن بعض من اهم الشخصيات الي تصدرت المشهد خلال عمر المملكة المنوه عنه اعـلاه.

البدايات

كان منعطفا كبيرا في تاريخ العراق السياسي المعاصر ذلك الحدث الذي أزاح العثمانيين عن سدة الحكم ليدخل العراق ضمن سياسات وقرارات السلطات العسكرية البريطانية،فقد جاء في مقدمة مترجم كتاب (العراق دراسة في تطوره السياسي) للكاتب الانكليزي فيليب ديلارد ترجمة جعفر الخياط . ان عملية الاجهاز على الرجل المريض _ الامبراطورية العثمانية_ وانتهاء الحرب بعقد هدنة (مودروز) كان بداية للمعركة السياسية في مؤتمرات الصلح ومعاهداته حيث قسُمت الغنائم فأصبحت حصة بريطانيا منها كحصة الاسد،وكان من الطبيعي ان يكون العراق من ضمنها وان تعد العدة لإ دارته من قبلها ووضع سياستها التي نشأت عن جهودها المضنية في هذا المجال،والتي عمقها الزمني يتراوح بحوالي ثلاثة قرون،وكان من الطبيعي أن تُؤسس في العراق عند احتلاله ادارة عسكرية في بادئ الامر تتولى تنظيم شؤون سكانه على قدر الإمكان وتعبئة موارده من أجل كسب الحرب بكل وسيلة .،واعقب ذلك تأسيس (إدارة ملكية) مبنية على اسس الادارة الهندية لان سياسي الانكليز الذين ينتمون الى (المدرسة الهندية) الاستعمارية وضباطهم الذين استعيروا من الجيش الهندي  للاشتغال في الادارة الملكية رسموا خطط هذه الادارة على غرار السياسة التي المعنا اليها اعلاه واخذوا يضعون تلك السياسة في موضع التطبيق بحيث يجعلون من العراق (تابعا هنديا) دون ان يعبأوا كثيرا بما جاء في البيان الذي أصدرته الحكومة البريطانية على لسان الجنرال مود فاتح بغداد،بان الانكليز جاءوا محررين لا فــاتحين.

               

ثورة العشرين

لم تكن الأحداث الكبرى لتظهر وتصبح حقيقة قائمة  لولا حدوث ثورات  كبيرة ومؤثرة،او اعمال سياسية منظمة وبطرق أصولية وضوابط يتم اللجوء اليها لتغير  الحال وإحداث منعطف  يظل شاهدا  على قدرة الانسان على التحدي وتحقيق الافضل ،ومن هنا جاءت ثورة العشرين في العراق  لتكون  دافعا قويا لتأسيس المملكة العراقية التي شقت طريقها فيما بعد بصعوبة بالغة.

تحدث المختصون بتاريخ العراق المعاصر عن ثورة العشرين كثيرا  كونها مصدر فخر لأبناء الرافدين الذين دفعوا من دمائهم  ما يجعلهم اكثر اعتزازا ببلدهم الذي شق طريقه  بعد فترة وجيزة من انتهاء الثورة التي اوصلت رسالة للإنكليز مفادها ان احتلال العراق  والسيطرة عليه أمر لا يمكن تحقيقيه ابدا، ونتيجة  لكثرة من كتبوا وشخصوا ودققوا في دوافع الثورة  ومساراتها ونتائجها، فقد اخترنا  احد المصادر التي تحدثت عنها بشكل وافي ودقيق،  الدكتور علي الوردي  أحد الشخصيات العراقية الرائدة التي كتبت  عن تاريخ العراق المعاصر وعن طبيعة المجتمع العراقي وبعضا من خصائصه وسماته ،فقد توقف الرجل  عند ثورة العشرين بكتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) وخصص لها جزءا كاملا حيث كان كلامه مفصلا ودقيقا ووافيا، وبعد حديثه  عن الثورة  واماكن وقوعها شرقا وغربا ،يتحدث عن رؤيته الخاصة كمؤرخ وكاتب ورجل عاصر تاريخ المملكة،وكان له رأي  بحدوثها وصيرورتها، فيقول في المجلد الثالث ص14 وهو يتحدث عن اهم  الخصاص التي تميزت بها  الثورة قائلا”  أولا : لم يشهد العراق في العهد التركي اية معركة اشترك فيها اهل المدن مع العشائر فقد كان هناك نوع من النفور  المتبادل بين العشائر واهل المدن ولكن هذا النفور اختفى في اثناء ثورة العشرين ولاسيما في الفرات الاوسط وقد تعاون الفريقان في الثورة تعاونا يلفت النظر كما هو معروف.

ثانيا :- لم يكن للمعارك السابقة اي صبغة دينية إلا نادرا ولم يحدث ان افتى علماء الدين بتأييد تلك المعارك على وجه من الوجوه أما في ثورة العشرين فقد افتى العلماء بتأييدها واعتبروها جهادا في سبيل الله وانفقوا عليها كثيرا من الحقوق الشرعية التي كانت تردهم وقد ساهم بعض العلماء في الثورة فعلا حيث رأيناهم بين المحاربين في جبهة القتال يحثونهم على الجهاد.

ثالثا:-لم تكن مفاهيم الوطنية و(الاستقلال) وامثالها مألوفة لدى العراقيين في الماضي غير انها اصبحت متداولة بينهم في اثناء ثورة العشرين يلهجون بها ويهتفون لها. ومن الممكن اعتبار ثورة العشرين المدرسة الشعبية الاولى التي علمت العراقيين تلك المفاهيم وكانت البداية للوعي الوطني الذي اخذ ينمو بعد ذلك بمرور الايام.

رابعا:- لم يحدث لأي معركة من المعارك السابقة ان امتدت في انحاء العراق بمثل ذلك النطاق الواسع الذي امتدت به ثورة العشرين .  يقول عنها أمين الريحاني مانصه ” انه لأعجب ما حدث في العراق بعد الاحتلال الانكليزي …هو ذا بلد لا صحافة فيه تذكر ولا طرق مواصلات حديثة صالحة ولا قيادة، تعمه الثورة فتربط اطرافها بعضها ببعض في اقل من شهر ثم تستمر اشهرا وهي تزداد قوة وهولا. حتى ان العاصمة بغداد كادت تسقط في حوزة الثائرين “…

يمكن القول على اي حال ان ثورة العشرين هي اول حدث في تاريخ العراق يشترك فيه العراقيون بمختلف فئاتهم وطبقاتهم فقد شوهدت فيها العمامة الى جانب الطربوش والكشيدة الى جانب اللفة القلعية  والعقال الى جانب الكلاو وكلهم يهتفون : (يحيا الوطن)، الى هنا انتهى كلام الدكتور المرحوم الوردي  وفي الحقيقية ان رأيه الشخصي في تحديد خصائص الثورة على المستوى الاجتماعي والنفسي كان رائعا وفي محله، فالرجل  هو أحد علماء الاجتماع الكبار في العراق وقد وظف التاريخ توظيفا دقيقا من خلال رؤية اجتماعية لاهم أحداثه خاصة ما يتعلق بتاريخ العراق المعاصر، استمرت الثورة من الشهر السادس الى الشهر الحادي عشر  اي من حزيران الى تشرين الثاني عام 1920م  وقد وصل صوتها الى القائمين على عرش الانكليز وبدلت رؤيتهم  ونظرتهم لعملية البقاء في العراق وحكمه حكما مباشرا، وقد تحدث عن نتائج الثورة وخسائرها  على الجانبين العراقي والبريطاني الاستاذ المرحوم حسين جميل، في كتابه (العراق شهادة سياسية 1908 – 1930م)  حيث يقول “في حياة الشعوب تهون كل التضحيات من أجل الحرية والاستقلال، والانسان وهو اعلى قيمة في المجتمع واغلى ثروة فيه ليس من الهين التضحية به وإذا كان الفرد الواحد غاليا على الامة فكم هي كبيرة خسارة العراق باستشهاد ألاف من ابنائه في ثورة العشرين ومع ذلك فان العراق تقبل التضحية بهذا العدد الكبير من ابنائه برحابة صدر فهو قد خسرهم في معركة عادلة لم يكن من خوضها بد وهو يعمل للخلاص من الحكم الاجنبي والوصول الى حريته واستقلاله فهو يؤمن من انه خير للمرء ان يموت واقفا من ان يعيش راكعا.

ان الثورة رغم الانتصارات التي حققها الثوار في بعض معاركها وما أبدوه فيها من بطولات قمُعت وخسرها العراق عسكريا في النتيجة غير انها مع ذلك تركت اثارا ايجابية وفي صالح العراق وفي كلا الجانبين البريطاني والعراقي ففي الجانب البريطاني انهت الثورة فكرة حكم العراق حكما مباشرا من قبل بريطانيا الامر الذي يعني حكمه بالقوة واكثر من هذا  ” كانت الثورة بالنسبة للرأي العام البريطاني الذي ملّ الحرب وبالنسبة للصحافة البريطانية فرصة سانحة لإحياء ما كانوا ينادون به من قبل وهو نداء اخلاء (ما بين النهرين).. يتحدث جميل  عن خسائر الطرفين في المعركة فيقول نقلا عن وميض جمال عمر نظمي في كتابه[ ثورة العشرين] حيث كتب (انه قد كلفت الثورة البريطانيين 906 قتلى و2476 ]مفقودا و671 جريحا،ويذكر مصدرا لأرقامه وثيقة بريطانية من وثائق وزارة الخارجية هي المرقمة 13302 والمؤرخة في 25 اكتوبر 1920 (ص399)

اما خسائر العراق فان الجنرال ” هالدين ” في كتابه عن الثورة يقول : انه من الصعب بيان رقم صحيح عنها ولكنه يقدرها بـ8450 بين قتيل وجريح وتذكر وثيقة من وثائق وزارة الخارجية البريطانية هي المرقمة 371/5081والمؤرخة 16 تشرين الثاني 1920 ان خسارة الجانب العراقي 8200 اصابة بين قتيل وجريح”

                                       

                             السر بيرسي كوكس

تشكيل الحكومة المؤقتة

بعد الخسائر المبينة أعلاه التي منيت بها الحكومة البريطانية قررت وبالمباشرة عن طريق وزير خارجيتها انذاك اللورد كرزن بتبديل المندوب السامي الكولونيل ولسن واعادة السر بيرسي كوكس الذي انتقل قبل ذلك من مندوب سامي في العراق الى سفير في طهران، وبالفعل عاد كوكس ونتيجة لمعرفته بنخب المجتمع العراقي،فقد باشر بتشكيل حكومة مؤقتة اولا والعمل على ترشيح ملك للعراق ثانيا وذلك لغرض امتصاص نقمة الشعب الذي رفض الوجود البريطاني بقوة وعبّر عن ذلك خلال ثورة العشرين الخالدة،يقول حسين الجميل “كانت البداية في تنفيذ السياسة التي جاء بها بيرسي كوكس الى العراق لتنفيذها هي تشكيل وزارة برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب وقم تم ذلك في 25 تشرين الاول – اكتوبر1920 من تسعة وزراء بحقائب بضمنهم الرئيس واثني عشر وزيرا بلا وزارة وفي التعليمات التي اصدرها المندوب السامي البريطاني عن عمل مجلس الوزراء ان اعمال هيئة الوزراء تجري بنظارته وارشاده وان قرارات مجلس الوزراء تتطلب مواقفته عليها وله ردها اليه وان لكل وزارة مستشارا بريطانيا له ان يحضر جلسات مجلس الوزراء…..

هذا التطور وان لم يرض العاملين بالحركة الوطنية ولم يحقق الطموح بالوصول الى الاستقلال التام الا انه كان مع ذلك خطوة مهمة الى الامام اعقبتها خطوات في المسيرة الى الهدف الاخير.

               

تشكلت الحكومة المؤقتة  من الاسماء التالية وقد كانوا من نخب المجتمع ومن علمائه ومن الذين كان لهم حضورا مميزا  وهم:

1-الرئيس عبد الرحمن النقيب

2- وزير الداخلية السيد طالب باشا

3- وزير المالية ساسون افندي حقيل

4- وزير العدالة حسين افندي الباجه جي

5- وزير المعارف عزت باشا

6- وزير الدفاع جعفر باشا العسكري

7- وزير الاشغال العامة محمد افندي فاضل

8- وزير التجارة عبد اللطيف باشا المنديل

9-وزير الاوقاف مصطفى افندي الالوسي

وكانت الاسماء ذات الوزن الثقيل هي اسماء  عبد الرحمن النقيب والسيد طالب باشا وساسون افندي وكان الاخير وهو من اسر بغداد اليهودية الشـــهيرة عضو في مجلس المبعوثــان العثماني منذ 1908 ووزيرا لمالية الامبراطورية في 1913م بالنظر لعلاقاته المعروفة في الهند وانكلترة وكانت حكمته واستقامته موضع تقدير الجميع وكانت الاشاعات ترشحه وزيرا للمالية في الحكومة العربية المستقلة لوكان قدر ليوسف السويدي والسيد محمد الصدر النجاح في تأسيسها.

      


في ذكرى تأسيس المملكة العراقية..  الرموز والتوجهات/ الجزء الثاني

الملك فيصل: السوريون ضيعوا الإستقلال والعرب كالمريض لايرجى شفاؤه

المقدمة

كانت السنوات اللاحقة لنهاية الحرب العالمية الاولى 1914-1918 م سنوات زاخرة بالحوادث السياسية على مستوى المنطقة ، اي منطقة الشرق الاوسط ولاسيما ما يتعلق بمصير الدول العربية ومنها مصر ودول المغرب العربي، والتي كانت سابقا ضمن النشاطات السياسية والعسكرية العثمانية ،اما ما يتعلق بالعراق فقد شهدت أرضه خلال الحرب صراعا عسكريا داميا بين العثمانيين والانكليز الذين دخلوا البصرة أولا ثم بغداد ثم الموصل ،حيث احتل العراق بولاياته الثلاث خلال مدة الحرب التي بدأت عام 1914 وانتهت عام 1918م، وبذلك دخل العراق في حياة سياسية واجتماعية واقتصادية اختلفت تماما عما كان عليه الأمر قبل ذلك التاريخ، وبذلك  تحول العراق بعد مدة وجيزة من ولايات ثلاث  تابعة لإمبراطورية بدأت تضعف وتتراجع،  الى مملكة يقودها ملك مقيد  بدستور وضعه ساسة العراق بالتعاون مع الانكليز عام 1924م.

وكان حسن افندي الباجه جي معروفا لدى الجميع بانه اقدر محام في بغداد وقد تقلد عزت باشا وهو من اصل تركي ومن سكنة كركوك مناصب عسكرية عالية في الحكومة العثمانية وكانت له سمعة لا يستهان بها في جميع انحاء العراق وكان جعفر باشا وهو من سكان بغداد يتقلد منصبا عسكريا عند الاتراك وفي جيش فيصل بعد ذلك وقد منحته الحكومة البريطانية وسام دي ايس  ووسام جي ايم جي عندما كان حاكم حلب العسكري قبل سقوط دمشق وكان محمد علي فاضل من الموصل نائب سابق في المجلس التركي كما كان وكيل رئيس بلدية في مدينته، وكان عبد اللطيف باشا المنديل وهو من الملاكين الاثرياء ومن تجار  البصرة من الاعضاء الفعالين في مجلس منطقة البصرة المحلي  وكان مصطفى افندي الالوسي وهو ينتمي الى اسرة من اكبر الاسر المعروفة ببغداد قاضيا في انحاء عديدة من انحاء الامبراطورية العثمانية بما فيها مكة.

اما الذين طلب اليهم الاشتراك في الحكم كوزراء بدون وزارة فقد كانوا حمدي باشا البابان وهو كردي ورئيس الاسرة الحاكمة في السليمانية وعبد المجيد افندي الشاوي امين العاصمة وعبد الرحمن باشا الحيدري وفخري افندي جيل زادة من وجهاء بغداد، واحمد باشا الصانع من البصرة وعبد الجبار باشا الخياط وداوود اليوسفاني من وجهاء المسيحيين في بغداد والموصل واربعة من الشيعة وهم عبد الغني كبة رئيس الاسرة الشيعية المعروفة في بغداد والسيد هادي القزويني من الحلة وعجيل باشا بن علي السمر مد شيخ مشايخ زبيد السابق والامير محمد الصيهود رئيس قبائل ربيعة. (هذا ما جاء في كتاب العراق دراسة في تطوره  السياسي) لمؤلفه الانكليزي فيليب ويلارد.

لم يتوقف ويلارد عند الشخصيات الكبيرة التي تشكلت منها الحكومة المؤقتة  وهم عبد الرحمن باشا النقيب أول رئيس وزراء عراقي وطالب باشا النقيب أول وزير داخلية عراقي وجعفر العسكري أول وزير دفاع عراقي.

مستوى سياسي

هؤلاء الكبار سنتوقف قليلا للحديث عن بعص سيرهم على المستوى السياسي والاجتماعي ثم ننتقل بعد ذلك للحديث عن تولية الملك فيصل الأول عرش العراق في 23/8/1921

ولد السيد عبد الرحمن النقيب بن السيد علي أفندي سنة 1261 هجرية في محلة باب الأزج من محلات الرصافة  الشرقية وهو ابن السيد علي النقيب المتوفي سنة 1287 هجرية كما هو مدون على ضريحه في الحضرة الكيلانية ،وقد لقب بالقادري المحض إشارة الى ان كلا من والديه قادريان نسبة الى جد العائلة الشيخ عبد القادر الكيلاني وهو لقب كان النقيب يحرص أشد الحرص على استعماله في توقيعه أو ختمه.

تزوج النقيب مرتين وانجب من زوجتيه سبع بنات وثلاثة عشر ولدا وكانت هيأته توحي بنوع من الرهبة كما يذكر ابناؤه ومع انه كان يتصف بالعطف على ابنائه وبناته ويحاول ان يتبسط معهم في الحديث فأن نظرتهم له كانت تعبر عن احترام شديد حتى  انهم كانوا لا يرفعون الصوت في حضوره جريا على تقاليد العصر في التربية ولم يعرف عنه الوقوف ضد رغبات اولاده فعندما ارادت ابنته كيلانية تعلم الفرنسية في صغرها استجاب لها وعهد امر تعليمها الى احدى المدرسات ومع ذلك فان النقيب كان محافظا الى حد كبير فلم يستحب السفور بل بلغ من معاداته له انه كان يفرض استخدام الحجاب على النسوة في داره خشية ان تمر احدى الطائرات فيقع نظر الطيار عليهن. اعتاد عبد الرحمن النقيب ان يعقد مجالس يومية اما في ديوان الحضرة الكيلانية  بباب الشيخ او في قصره على نهر دجلة في محلة السنك، وكان يحضرها مختلف الناس ولاسيما العلماء والادباء  من سائر الملل والنحل ووجوه المذاهب وكما جاء في كتاب (البغداديون مجالسهم واخبارهم)  فأن مجلسه كان اشبه بمجمع علمي تبحث في مشاكل العلوم او ندوة ادبية يتعهدها الشعراء والادباء وكان يبحث في مجلسه المسائل السياسية ويحضره رجالات الدولة واقطاب السياسة وكان النقيب يتحدث في مجلسه بلباقة ،حديثا مطعما بالأمثال معززا بالشواهد الشعرية ، هذا ما جاء في كتاب  عبدالرحمن النقيب حياته الخاصة واراءه السياسية للدكتورة رجاء الخطاب.

                                     

ما يتعلق بالمرحوم طالب باشا النقيب فهو من سياسي العراق الكبار لم تسنح له الظروف أن يأخذ نصيبه الكافي لممارسة دوره السياسي , ولد في البصرة عام 1871م وهو طالب باشا بن رجب بن السيد محمد الرفاعي وكانت أسرته تتولى نقابة اشراف البصرة ،كان من السياسيين العراقيين ذوي العمق الزمني أذ عين من قبل العثمانيين متصرفا للواء الإحساء في نجد وبعد اعلان العمل بالدستور عام 1908م انتخب عضوا في مجلس المبعوثان العثماني ثم اعيد انتخابه للأعوام 12, 13, 1914م وهو من المؤسسين للحركة الوطنية في البصرة ضد الانكليز وقد عرف رغم دبلوماسيته انه كان من المعادين للإنكليز لذلك نفوه الى الهند عام 1915 وضل منفيا حتى  عام 1920م ثم عاد وتم تعيينه وزيرا للداخلية وحين رشح نفسه لعرش العراق ،رأت بريطانيا ان طالب باشا  لم يكن الرجل المناسب لأنه رجل قوي الشخصية ويشكل خطرا عليها كما يقول حميد المطبعي في موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين ، فقررت انهاء دوره السياسي وارساله منفيا مرة اخرى خارج العراق ولم يعود الا عام 1925, وفي عام 1929سافر الى المانيا للعلاج وتوفي هناك ونقل جثمانه ودفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير، وزيادة في المعلومات ان الباشا النقيب هو جد  الشيخ ناصر المحمد الاحمد الجابر الصباح لامه السيدة  نسيمة طالب النقيب  رئيس الوزراء الكويتي للفترة 7شباط 2006 الى 30 تشرين الثاني 2011….

                                       

أما ما يتعلق بالمرحوم جعفر باشا العسكري فانقل هنا نبذة عن سيرته كما جاء في كتاب [خواطر واحاديث في التاريخ] للمرحوم الاستاذ نجدة فتحي صفوت اذ يتحدث عن سيرة العسكري بطريقة تبعث على السرور حيث يبين لنا بعض من شخصية العسكري المحببة لدى الناس فيقول :كان جعفر العسكري شخصية نادرة بين شخصيات العراق التي تسلمت مقاليد المسؤولية في البلاد في بداية تأسيس الدولة العراقية الفتية وكثيرا ما سمعنا من عارفيه عن شخصيته وخفة روحة وظرف دعابته، كما سمعنا عن شجاعته ولباقته السياسية وثقافته العسكرية والقانونية حتى علمنا اخيرا بمصرعه على يد بعض اعوان بكر صدقي ولم يكن قد عرف عن الرجل انه اساء الى احد في حياته.

وسيرة جعفر العسكري حافلة بالأحداث واحيانا بالمغامرات التي تصلح ان تكون مادة لقصة سينمائية مثيرة وقد انتهت نهاية مؤلمة حقا ولكنها مع ذلك قد تتسق بدرجة غريبة مع سيرته التي كانت كلها عبارة عن احداث ومفاجآت

ولد في بغداد سنة 1885 وكان والده مختارا لإحدى  محلاتها ودخل المدرسة العسكرية التحضيرية فيها ،ثم تخرج في المدرسة الحربية التركية في الاستانة وارسل في بعثة عسكرية للتدرب في المانيا فأقام فيها ثلاث سنوات ثم عاد واشترك في حرب البلقان وجرح فيها ولما انتهت تلك الحرب وظهرت نوايا الاتحاديين العنصرية انضم الى (حزب العهد العربي) وكان من انشط العاملين فيه واثناء الثورة العربية التي قامت في الحجاز في بدايتها وكان الضباط العرب يلتحقون بها من كل حدب وصوب فقرر جعفر الانضمام اليها فسمح له بالسفر الى مكة بطريق البحر الاحمر فلما وصلها التحق بالجيش العربي الذي كان مرابطا حول المدينة المنورة بقيادة الشريف فيصل ،وعين فيصل جعفر قائدا عاما لقواته دون استشارة والده الشريف حسين مما اغضبه وجعله يأمر بعزله فابرق فيصل الى والده بان في ذلك اهانه له لا يقبلها وانه سيتخلى عن مسؤولياته وينفض يده من النهضة اذا اقيل جعفر ،فاضطر الحسين الى الموافقة وارسل برقية استرضى  بها ولده

ولما عقد مؤتمر القاهرة في اذار سنة 1921برئاسة تشرشل وزير المستعمرات البريطاني حضره جعفر العسكري مع السربرسي كوكس وفي هذا المؤتمر تقرر تأسيس الدولة العراقية ونصب فيصل الاول ملكا عليها.

                                      

الملك فيصل الاول وعرش العراق

في 23- 8-1921م تسلم الملك فيصل الاول عرش العراق  بعد معركة سياسية كان أبطالها الانكليز الذين فضلوه على غيره من المرشحين وعملوا له انتخابات في نهاية المطاف فاز بها الملك رحمه الله بنسبة 96بالمئة، في بادئ الامر تم ترشيح مجموعة المرشحين لتولي عرش العراق سقطوا كلهم الواحد تلو الاخر فمنهم  من  سقطتّهم بريطانيا  ومنهم من لم يكن مقبولا ومرغوبا من الشعب، ومنهم من لم يكن مؤهلا لأسباب عديدة ومنوعة.

الملك فيصل المولود عام 1883م في الحجاز هو ثالث انجال شريف مكة الحسين بن علي الهاشمي تسلم عرش سوريا اولا عام 1920وسقط اثر معركة ميسلون على يد القوات الفرنسية ،اختارته بريطانيا ملكا على العراق وعملت له انتخابات كما مر بنا وتسلم العرش صباح يوم 23-8- 1921م وبتاريخ 12ايلول ،تشكلت حكومة المرحوم عبد الرحمن النقيب الثانية تحت اشرافه وقد تكونت من مجموعه من الوزراء ،قسم منهم كان ضمن الحكومة المؤقتة الاولى للنقيب ومنهم من تم اختياره للمرة الاولى، لم تكن مهمة الملك سهلة أبدا فالرجل عانى كثيرا من معادلة [ارادة الشعب وعدم رغبة الانكليز ] هذه المعادلة التي بسببها انتحر المرحوم عبد المحسن السعدون يوم 12-11-1929، كانت تكمن معاناة الملك فيصل الاول بطبيعة المجتمع العراقي فالرجل كان يعمل جاهدا وبشكل دؤوب على ان يقدم للعراقيين ما يجعلهم امة راقية ومتطورة ،الا انه كان يصطدم بالكثير من العقبات وقد عبّر عن ذلك بمقالات وافكار كتبها بنفسه  وجدت بعد وفاته ونشرها بمقدمة كتابه تاريخ العراق السياسي المرحوم عبد الرزاق الحسني ،نقتطف منها ما يلي على شكل نقاط وبشكل مختصر، كونها تعبّر عن نظرة الملك  للحكم ،فهي بمثابة  فلسفته في الحكم .

1-ان البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها اهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية  فهي والحالة هذه مبعثرة القوى مقسمة على بعضها يحتاج ساستها ان يكونوا حكماء مدبرين وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى ،غير مجلوبين لحسيات او اغراض شخصية او طائفية او متطرفة يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوة معا ،على جانب كبير من الاحترام لتقاليد الاهالي لا ينقادون الى تأثرات رجعية او الى افكار متطرفة تستوجب رد الفعل.

2- في العراق افكار ومنازع متباينة جدا وتنقسم الى اقسام 1- الشبان المتجددون بما فيهم رجال الحكومة 2- المتعصبون 3- السنة 4- الشيعة 5- الاكراد 6- الاقليات غي المسلمة 7- العشائر 8- الشيوخ 9- غير السواد الاعظم الجاهل المستعد لقبول كل فكرة سيئة بدون مناقشة او محاكمة.

3-العراق مملكة تحكمها حكومة عربية مؤسسة على انقاض الحكم العثماني وهذه الحكومة تحكم قسما كرديا اكثريته جاهلة ،بينه اشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي عنها بدعوى انها ليست من عنصرهم واكثرية جاهلة منتسبة عنصريا الى نفس الحكومة ،الا ان الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقا عميقا بين الشعب العربي المنقسم ،كل ذلك جعل مع الاسف هذه الاكثرية او الاشخاص الذين لهم مطامع خاصة والمتدينون منهم  وطلاب الوظائف بدون استحقاق والذين لم يستفيدوا ماديا من الحكم الجديد يظهرون بانهم لم يزالون مضطهدين.

في اعتقادي (والكلام هنا مازال للمرحوم جلالة الملك)  وان كان العمل شاقا ومتعبا الا انه ليس مما يوجب اليأس والتخوف اذا عولج بحكمة وسداد راي واخلاص ،اذا قامت الحكومة بتحديد خطة معينة وسارت عليها بجد وحزم فان الصعوبات تجابه وبارقة الامل في الرسوخ السياسي تزداد نورا والاحظ ان منهاجا يقرب مما سأذكره ادنا يكون كافلا لمعالجة المهمة والنجاح واليك بالاختصار .

1-تزيد قوة الجيش عددا وبشكله الحاضر بحيث يصبح قادرا على اخماد اي قيام مسلح ينشب في ان واحد على الاقل في منطقتين متباعدتين.

2-عقب اتمام تشكيل الجيش على هذه الصورة تعلن الخدمة الوطنية

3-وضع التقاليد والشعائر الدينية بين طوائف المسلمين بميزان واحد مهما امكن واحترام الطوائف الاخرى.

4-الاسراع في تسوية مشكلة الاراضي.

5-توسيع الماذونية لمجالس الالوية والبلديات بقدر الامكان على انموذج القانون العثماني.

6-الاسراع في تشكيل مدرسة الموظفين

7-الاعمال النافعة وحماية المنتوجات

8-المعارف

9-تفريق السلطة التشريعية والسلطة الاجرائية

10-تثبيت ملاك الدولة

11-وضع حد للانتقادات غير المعقولة ضد اجراءات الحكومة في الصحف والاحزاب

12 -العدل والنظام والاطاعة في الموظفين والعدل عند قيامهم بوظائفهم.

ما تقدم يمثل نضرة وفلسفة الملك في حكم العراق وتفائله بشان امكانية السير به الى الامام اما على الواقع الميداني فقد ظل الرجل ملكا اكثر من اثنتا عشر  من عام 1921حتى عام 1933 ليخلفه ابنه الملك غازي رحمه الله، وتلك السنوات كانت الحالة في العراق على شكلين رئيسين او جهتين رئيسيتين جهة تحكم وهم نخب المجتمع ومن يعاونهم  من الموظفين والحياة تسير بشكل مستمر لكن بصعوبة، وجهة تعارض والمعارضين هم ايضا من النخب يساعدهم في ذلك الشعب الذي كان يتحرك دائما للمطالبة بحقوقه , هنا كان للملك فيصل وقفة ودور فالمعروف ان الحكومة كجهة تنفيذية تحكم البلاد تنزعج من التظاهر كونه يعوق عملها , ما كان يقوم به الملك ونتيجة لحبه للعراق ووطنيته الخالصة ،ونظرته العميقة للمستقبل كان هو من  يحث على التظاهر، الغرض     من ذلك الحصول على مكاسب جديدة من مفاوضات الحكومات التي كانت تفاوض الجانب البريطاني  بشان الاحداث السياسية التي  كانت تطغي على حياة المجتمع آنذاك ، تحدث عن الموضوع الدكتور محمد حسين الزبيدي في كتابه (العراقيون المنفيون الى جزيرة هنجام) فيقول ومما ساعد الحركة الوطنية من ان تزيد في نشاطها ضد المعاهدة الخلاف الشديد الذي حدث في هذه الفترة بين الملك فيصل والمندوب السامي السيد برسي كوكس بسبب تلكؤ الملك بالموافقة على المعاهدة وفي السياسة الموالية للإنكليز التي ينتجها الملك والتي لا تحقق اطماع بريطانيا واهدافها. ومما زادت في شقة الخلاف هذا معرفة المندوب السامي البريطاني ان الملك فيصل يتصل بقادة الحركة الوطنية وبالصحف المعارضة ويحرضها ويؤلبها على مهاجمة المعاهدة العراقية الانكليزية ومقاومة ابرامها وبخاصة بعد مؤتمر كربلاء. وفي الحقيقة كان الملك فيصل يؤيد هذه الحركة الوطنية في مطالبيها ويتصل بالمعارضة اتصالا مستمرا بشكل سري ويعقد اجتماعات مع قادتها ليلا فعقد اجتماعا مع جعفر ابو التمن ومحمد مهدي البصير وهما من الهيئة المركزية للحزب الوطني العراقي وكانت هذه الاجتماعات بمثابة الاتصال الوثيق مع القوى الوطنية المعارضة وان الملك فيصل كان يحرض على تنمية هذه القوى حتى تقف موقفا من السياسة البريطانية لاستخلاص بعض المكاسب الوطنية للعراق حتى ولو كانت جزئية. والحقيقة ان سياسة الملك فيصل في العراق اعتمدت مبدا خذ وطالب وقد حدثنا المرحوم عوني عبد الهادي عن لقاءات عدة جرت بينه وبين الملك فيصل الاول اوضح له فيها الملك اهدافه  التي يسعى للحصول عليها وحقوق العراق التي يهدف الى تحقيقها فقال: قال لي جلالة الملك فيصل الاول لقد اقنعت الانكليز بكلامي واعمالي ان مصلحتهم ومصلحة العراق تتمشى جنبا الى جنب فاقتنعوا باني مخلص فيما اقول واخذت اتشدد بعد ذلك في المطالبة بما ينفع العراق وتحقيق بعض الاعمال التي انشدها ومن جهة اخرى كنت اجتمع ليلا مع المعارضين في العراق لنخطط معا اعمال المقاومة واحوالها وحين تشتد المعارضة اكسب انا حقوقا جديدة للعراق من السلطات البريطانية لتسكين المعارضة.

حدود إمكانيات

وقال عوني : ومما قاله الملك فيصل ايضا في هذا اللقاء: ان السياسة في نظري ليست هي الاصرار على تحقيق كل ما يهدف اليه السياسي بل العمل على تحقيق ماهو ممكن والسياسي هو ليس من يعرف ما يريد بل هو من يعرف حدود امكاناته ويقف عندها وانني مؤمن بسياسة خذ وطالب وتعني هاتان الكلمتان كل فنون السياسة المرنة وهي السياسة المثلى التي اريد اتباعها في العراق.

واضاف الملك فيصل يقول: هكذا ضاع السوريون الاستقلال لإصرارهم على سياسة اخذ الكل او ترك الكل لقد طالب السوريون باستقلال سورية موحدة بما فيها فلسطين مستقلة استقلالا تاما ولم يكن هذا الطلب والاصرار عليه في امكانيات العرب في ذلك الوقت ومثلهم في ذلك كالمريض الذي يطلب شفاؤه في الحال او موته في الحال. فانا لا اريد ان احكم العراق في ظلال ايد اجنبية لأني وضعت في مقدمة اهدافي التخلص تدريجيا من حكم هذه اليد ليعيش اهل العراق وانا معهم تحت حكم عربي مسلم. ومن هنا  وبعد قراءتنا  لأفكار  المرحوم الملك فيصل الأول نرى وبكل وضوح ،كم كانت معاناته كبيرة وكم كانت  أمانيه وطموحاته  كبيرة  أيضا ودقيقة  رحم الله تعالى رموز العراق من الذين ساهموا وبكل قوة من اجل ان يكون العراق افضل، ومن اجل  ان يكون لدورهم ومواقفهم  أهمية ببنائه على أفضل شكل ،فكم هو الفارق واضح بين رموز تركت بصمات ايجابية ،وبين اخرى لم تعرف ماذا تعمل  فكان لعملها  الهدام دور بتخلف البلد وتراجعه وتمزقه  ،بعد ان كان في المقدمة دائما، فالتاريخ لم يرحم أحدأبدا.

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

584 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع